تحولت مشاركة المغرب في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك إلى تحرك دبلوماسي مكثف، في توقيت بالغ الحساسية يسبق أسابيع قليلة من عودة ملف الصحراء إلى مجلس الأمن الدولي.
وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة استغل اجتماعات نيويورك لعقد سلسلة لقاءات مع مسؤولين من إفريقيا وأمريكا اللاتينية والعالم العربي، لكن أبرز التطورات جاءت هذه المرة من أمريكا اللاتينية.
تشيلي أعلنت دعمها لسيادة المغرب على الصحراء واعتبرت مقترح الحكم الذاتي الذي قدمته الرباط عام 2007 حلا سياسيا عادلا ودائما ومقبولا.
ولم يتوقف الموقف التشيلي عند الجانب السياسي. سانتياغو أعلنت كذلك نيتها تشجيع الاستثمارات والتعاون الاقتصادي والتجاري في المنطقة، بالتزامن مع بدء التحضير لمفاوضات حول اتفاق للتجارة الحرة بين المغرب وتشيلي.
في الاتجاه نفسه، عبّرت بنما عن دعمها لسيادة المغرب على كامل أراضيه، وأكدت أن سفارتها في الرباط تمارس اختصاصها القنصلي على كامل التراب الذي تعتبره المملكة جزءا من أراضيها.
بوريطة التقى كذلك وزيرة خارجية هندوراس بعد أشهر من قرار تيغوسيغالبا تعليق اعترافها بما يسمى الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية.
وفي الجبهة الإفريقية، جددت بوركينا فاسو خلال لقاء وزير خارجيتها مع بوريطة دعمها للموقف المغربي ولمقترح الحكم الذاتي.
هذه التحركات لا يمكن قراءتها باعتبارها سلسلة لقاءات ثنائية منفصلة فقط.
التوقيت هو العنصر الأهم.
مجلس الأمن سيعود قبل نهاية أكتوبر إلى ملف الصحراء، فيما تنتهي الولاية الحالية لبعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية، المينورسو، في 31 أكتوبر 2026.
القرار 2797 الذي اعتمده مجلس الأمن في أكتوبر 2025 أدخل تطورا مهما على لغة المجلس. فقد دعا إلى مواصلة المفاوضات على أساس مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب، مع التشديد في الوقت نفسه على ضرورة الوصول إلى حل سياسي نهائي ومقبول من الأطراف ومتوافق مع مبدأ تقرير المصير.
وهنا تظهر أهمية المعركة الدبلوماسية الحالية في نيويورك.
المغرب يريد الدخول إلى محطة أكتوبر بأكبر شبكة ممكنة من الدول الداعمة لمقترح الحكم الذاتي. في المقابل، تتمسك جبهة البوليساريو بمطلب تقرير المصير الذي يشمل خيار الاستقلال، بينما تؤكد الجزائر دعمها لهذا الموقف وتعتبر القضية مسألة تصفية استعمار.
الأمم المتحدة من جهتها لم تعلن اعترافا بسيادة المغرب على الصحراء. وما زالت تتعامل مع الملف من خلال مسار سياسي تقوده الأمم المتحدة والمبعوث الشخصي للأمين العام ستافان دي ميستورا.
وهذا التفصيل مهم لفهم الصورة كاملة.
هناك فارق بين المواقف الوطنية للدول وبين الوضع القانوني للملف داخل الأمم المتحدة.
لكن ما تغير خلال السنوات الأخيرة هو ميزان المواقف الدولية حول الحل السياسي.
الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا ودول أخرى تبنت بدرجات مختلفة مواقف مؤيدة لمقترح الحكم الذاتي المغربي، فيما تعمل الرباط الآن على توسيع هذا الاتجاه في إفريقيا وأمريكا اللاتينية.
لقاء بوريطة مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قبل انطلاق الأسبوع رفيع المستوى يؤكد بدوره أن الملف حاضر في خلفية التحركات المغربية داخل نيويورك.
والمعركة لا تدور فقط حول صياغة قرار جديد.
ما تحاول الرباط تثبيته هو انتقال النقاش الدولي تدريجيا من السؤال القديم حول شكل التسوية إلى سؤال مختلف يتعلق بالشروط التي يمكن أن تسمح بإطلاق مفاوضات سياسية فعلية.
لكن الوصول إلى تسوية نهائية لا يزال يحتاج إلى موافقة الأطراف المعنية وإلى تفاهمات دولية داخل مجلس الأمن، خصوصا مع اختلاف مواقف القوى الكبرى.
لهذا ستكون الأسابيع المقبلة مهمة.
التحركات الحالية في نيويورك ترسم مواقع الأطراف قبل اجتماع أكتوبر، بينما يبقى السؤال الأساسي هو ما إذا كان مجلس الأمن سيواصل البناء على الصيغة التي اعتمدها عام 2025 أم سيدخل تعديلات جديدة على مسار التسوية.
بالنسبة للمغرب، نيويورك هذا الأسبوع ليست مجرد محطة سنوية في الجمعية العامة.
إنها بداية التحضير السياسي والدبلوماسي لجولة أكتوبر المقبلة داخل مجلس الأمن.




































