دخلت المفوضية الأوروبية على خط النزاع المتصاعد حول المحكمة الدستورية في بولندا، معلنة موقفاً يدعم اختصاص البرلمان في تعيين قضاة المحكمة، في وقت تتفاقم فيه المواجهة بين حكومة رئيس الوزراء دونالد توسك والرئيس المحافظ كارول نافروتسكي.
وقال مفوض العدل الأوروبي مايكل ماكغراث في تصريحات لوسائل إعلام بولندية إن على مؤسسات الدولة ضمان قدرة المحكمة على العمل وفق الدستور البولندي وأحكام محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي. واستند إلى رأي لجنة خبراء بمجلس أوروبا يفيد بأن مجلس النواب البولندي هو الجهة المختصة بتعيين قضاة دستوريين جدد.
ويحمل هذا الموقف رفضاً غير مباشر لمحاولة نافروتسكي منع تولي قضاة جدد مهامهم. فقد انتخب الائتلاف الحاكم بزعامة توسك ثمانية قضاة للمحكمة، لكن الرئيس رفض أداء خمسة منهم اليمين أمامه. وأدى هؤلاء اليمين لاحقاً أمام رئيس مجلس النواب فلودزيميرز تشارزاستي، بدعم من الحكومة.
وتصاعد النزاع بعدما أعلن موقع المحكمة إعفاء رئيسها بوغدان شفيتشكوفسكي ونائبه مؤقتاً من مهامهما، وتكليف القاضية آنا كورفين بيوتروفسكا بإدارة المحكمة بالإنابة. وأعقب ذلك تجمع لمؤيدي حزب القانون والعدالة وقوى يمينية أمام مبنى المحكمة في وارسو.
وفي ليل الجمعة إلى السبت، حاول الرئيس نافروتسكي دخول مبنى المحكمة، وظهرت مواجهة جسدية عند المدخل شملت دفع قاضية إلى أسفل، بحسب تقارير إعلامية. ورد توسك في خطاب متلفز قائلاً إن سيادة القانون لا يمكن أن تخضع للقوة الجسدية، واتهم قوى من المعارضة بمحاولة تقويض الديمقراطية. وهذه اتهامات سياسية صادرة عن رئيس الحكومة، وليست حكماً قضائياً نهائياً بشأن الأحداث.
كما أصدر أربعة رؤساء سابقين للمحكمة الدستورية بياناً مشتركاً وصفوا فيه تحرك نافروتسكي بأنه انتهاك غير مسبوق لاستقلال المحكمة، وقالوا إن القضاة المنتخبين من البرلمان اتخذوا إجراءات لاستعادة عمل المؤسسة. في المقابل، يتمسك المعسكر المحافظ بأن خطوات الحكومة والقضاة الجدد تفتقر إلى الشرعية.
ولا يبدأ الخلاف الحالي من واقعة واحدة، بل يمتد إلى نزاع طويل بشأن استقلال القضاء البولندي. فقد خلصت محكمة العدل الأوروبية في وقت سابق إلى أن المحكمة الدستورية، في التشكيلة التي أُنشئت خلال حكم حزب القانون والعدالة بين 2015 و2023، لا تستوفي معايير الاستقلال والحياد بسبب عيوب خطيرة في تعيين بعض القضاة ورئاسة المحكمة.
ومنذ وصول ائتلاف توسك إلى السلطة في 2023، تحاول الحكومة تغيير بنية مؤسسات قضائية ترى أنها خضعت لتسييس واسع. إلا أن الرئيس، الذي يملك صلاحيات مهمة تشمل توقيع القوانين، يعارض جانباً كبيراً من هذه الإجراءات، ما يجعل أزمة المحكمة اختباراً جديداً لقدرة مؤسسات الدولة على تسوية نزاعاتها ضمن الأطر الدستورية.
ويزيد موقف المفوضية الأوروبية الضغط السياسي على الرئاسة البولندية، لكنه لا يحسم وحده الخلاف القانوني الداخلي. وتبقى القضية مرتبطة بتفسير صلاحيات البرلمان والرئيس، وشرعية التعيينات السابقة والجديدة، وقدرة المحكمة نفسها على العمل في ظل وجود سلطات متنافسة على إدارتها.






































