عرب 24 | تحليل سياسي
28 أكتوبر 2026
أُغلقت صناديق الاقتراع في إسرائيل، لكن معركة السلطة لم تنتهِ. فالانتخابات التي جرت الثلاثاء 27 أكتوبر، وسط مشاركة انتخابية بلغت 77.7 بالمئة، لم تمنح حتى الآن أيًا من المعسكرين الرئيسيين أغلبية واضحة تمكنه من تشكيل الحكومة المقبلة.
وبينما أظهرت استطلاعات الخروج الأولى تقاربًا شديدًا بين معسكر بنيامين نتنياهو والمعسكر المناهض له بقيادة غادي آيزنكوت، كشفت النتائج الجزئية صباح الأربعاء عن تقدم المعسكر اليميني والديني الذي يقوده نتنياهو، دون بلوغه عتبة 61 مقعدًا اللازمة لضمان أغلبية برلمانية مستقرة.
هذه المعادلة تفتح الباب أمام أزمة سياسية تتجاوز مسألة اختيار رئيس الوزراء. فالصراع المقبل قد يمتد إلى رئاسة الكنيست، ومستقبل التشريعات القضائية، والتحقيق في إخفاقات السابع من أكتوبر 2023، وصولًا إلى احتمال العودة مجددًا إلى صناديق الاقتراع.
وفي ضوء موازين القوى الحالية، تبرز خمسة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الحكم في إسرائيل.
السيناريو الأول.. نتنياهو يشكل حكومة جديدة
رغم تراجع قوة معسكره مقارنة بما كان يمتلكه خلال الدورة البرلمانية السابقة، لا يزال بنيامين نتنياهو يحتفظ بأوراق سياسية مهمة.
فحزب الليكود يتصدر نتائج الأحزاب وفق المؤشرات الأولية، فيما يبدو المعسكر الداعم له أكثر تماسكًا من خصومه، رغم الخلافات السابقة بين مكوناته بشأن التجنيد الإجباري لليهود الحريديم وقضايا أخرى.
وإذا استقرت النتائج النهائية دون حصوله على 61 مقعدًا، فسيحتاج نتنياهو إلى استقطاب دعم من خارج تحالفه التقليدي، سواء عبر اتفاق مع حزب آخر أو من خلال إعادة ترتيب التحالفات داخل الكنيست.
غير أن هذه المهمة تصطدم بمواقف معلنة. فقد رفض أفيغدور ليبرمان المشاركة في حكومة يرأسها نتنياهو، بينما بنى نفتالي بينيت وآيزنكوت جزءًا أساسيًا من حملتيهما الانتخابيتين على الدعوة إلى تغيير القيادة.
وبالتالي، فإن تصدر الليكود للنتائج لا يمنح نتنياهو حقًا تلقائيًا في تشكيل الحكومة. فالرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ سيكلف الشخصية التي يرى أنها تمتلك أفضل فرصة للحصول على ثقة البرلمان، بعد التشاور مع الأحزاب المنتخبة.
السيناريو الثاني.. حكومة تغيير تعتمد على الأصوات العربية
يرتبط هذا السيناريو بقدرة غادي آيزنكوت على توحيد القوى المناهضة لنتنياهو، وفي مقدمتها نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان ويائير غولان.
لكن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في عدد المقاعد، بل في التناقضات السياسية بين هذه القوى.
فالمعسكر الذي جمعته معارضة نتنياهو لا يشكل كتلة متجانسة. وتختلف مكوناته بشأن قضايا الدين والدولة، وطبيعة العلاقة مع الأحزاب العربية، وحدود الإصلاحات القضائية.
وهنا تبرز أهمية الأحزاب العربية، التي حققت حضورًا لافتًا في الانتخابات، وأصبحت أصواتها عنصرًا مؤثرًا في الحسابات البرلمانية.
وقد تتيح هذه الأصوات نظريًا تشكيل حكومة أقلية بقيادة آيزنكوت، تحصل على الثقة بدعم خارجي من بعض النواب العرب أو امتناعهم عن التصويت، دون مشاركتهم المباشرة في الائتلاف.
لكن ليبرمان رفض مسبقًا حكومة تعتمد على الأحزاب العربية، وهو موقف يحد من إمكانية تحويل هذا السيناريو إلى اتفاق سياسي.
وتكشف هذه المعضلة مفارقة لافتة. فالأحزاب العربية قد تمتلك أصواتًا قادرة على تغيير موازين السلطة، بينما ترفض قوى إسرائيلية رئيسية منحها دورًا مباشرًا في تشكيل الحكومة.
السيناريو الثالث.. حكومة وحدة وطنية واتفاق للتناوب
إذا فشل المعسكران في تشكيل حكومة منفردة، فقد تعود فكرة حكومة الوحدة الوطنية إلى طاولة المفاوضات.
ويتحدث هذا السيناريو عن ائتلاف واسع يضم الليكود وأحزابًا من المعسكر المناهض لنتنياهو، مع احتمال استبعاد بعض الأحزاب الدينية واليمينية المتشددة.
غير أن العقبة الكبرى تتمثل في هوية رئيس الوزراء، وتحديد الشخصية التي ستبدأ فترة التناوب.
نتنياهو يريد الاحتفاظ بموقعه القيادي، في حين أعلن آيزنكوت رفضه العمل تحت رئاسته، حتى ضمن اتفاق للتناوب.
وتزيد التجربة السابقة مع بيني غانتس من تعقيد هذه المسألة. ففي عام 2020، اتفق غانتس ونتنياهو على تقاسم رئاسة الحكومة، لكن الائتلاف انهار قبل انتقال المنصب إلى غانتس.
وتفتح هذه التجربة الباب أمام طرح اسم ثالث، مثل أفيغدور ليبرمان، لقيادة المرحلة الأولى من حكومة تناوب محتملة، ثم تسليم رئاسة الحكومة لاحقًا إلى شريك آخر.
ولا تمنع القواعد البرلمانية الإسرائيلية وصول زعيم حزب صغير إلى رئاسة الوزراء. فقد تولى نفتالي بينيت المنصب عام 2021، رغم أن حزبه كان يمتلك ستة مقاعد داخل الائتلاف الحكومي.
لكن طرح ليبرمان بوصفه رئيسًا أولًا لحكومة تناوب يبقى فرضية سياسية، وليس اتفاقًا معلنًا. كما أنه يتعارض حاليًا مع رفضه المشاركة في حكومة تضم نتنياهو.
وثمة صيغة أخرى يمكن أن تظهر في المفاوضات، تتمثل في تشكيل حكومة وحدة مع الليكود، ولكن بقيادة شخصية أخرى غير نتنياهو.
وهذه الصيغة بدورها تتطلب تغييرًا في قيادة الحزب أو اتفاقًا داخليًا لم تظهر مؤشراته الحاسمة حتى الآن.
السيناريو الرابع.. المعارضة تسيطر على الكنيست وتواجه نتنياهو بالتشريعات
قد يكون هذا السيناريو من أكثر التطورات تأثيرًا في المرحلة المقبلة، لأنه يفصل بين السيطرة على الحكومة والسيطرة على البرلمان.
فحتى إذا فشل معسكر التغيير في تشكيل حكومة، فإنه يستطيع محاولة جمع أغلبية برلمانية لانتخاب رئيس جديد للكنيست، بدلًا من أمير أوحانا، المنتمي إلى الليكود.
وقد أعلن ليبرمان بالفعل اعتزامه العمل على هذه الخطوة فور انعقاد الكنيست الجديد.
وتسمح القواعد البرلمانية بانتخاب رئيس جديد بأغلبية 61 عضوًا، دون انتظار تشكيل الحكومة.
وإذا توحدت أصوات المعارضة مع أصوات الأحزاب العربية حول مرشح واحد، فقد تتمكن من تحقيق هذه الأغلبية، حتى إن بقي نتنياهو رئيسًا لحكومة تصريف الأعمال.
وتكمن أهمية هذا التحول في أن رئيس الكنيست يؤدي دورًا محوريًا في تحديد جدول الأعمال التشريعي وإدارة الجلسات، مع خضوع العملية التشريعية للقواعد واللجان البرلمانية المختصة.
ومن أبرز الملفات التي يمكن طرحها قانون يمنع الأشخاص الذين يواجهون لوائح اتهام جنائية من تولي رئاسة الحكومة.
ويستهدف هذا المقترح عمليًا مستقبل نتنياهو، الذي لا يزال يواجه محاكمة في قضايا فساد ينفي الاتهامات المتعلقة بها.
كما يمكن أن تعود إلى الواجهة مشاريع قوانين تتعلق بتحديد مدة رئاسة الوزراء ومراجعة التعديلات القضائية المثيرة للجدل.
أما الملف الأكثر حساسية، فيتعلق بتشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلة في إخفاقات السابع من أكتوبر 2023، وهو مطلب تصاعدت حدته داخل إسرائيل منذ الهجوم الذي شنته حماس وما أعقبه من حرب على قطاع غزة.
لكن السيطرة على رئاسة الكنيست لا تعني إقرار هذه القوانين بصورة تلقائية. فكل تشريع يحتاج إلى استكمال الإجراءات القانونية والحصول على الأغلبية المطلوبة، وقد يخضع لاحقًا للطعن القضائي.
كذلك فإن إنشاء لجنة تحقيق رسمية مستقلة يخضع لآليات قانونية خاصة، تختلف عن تشكيل لجنة تحقيق برلمانية عادية.
ومع ذلك، فإن انتقال رئاسة الكنيست إلى المعارضة قد يضع نتنياهو أمام وضع سياسي غير مألوف، يحتفظ فيه برئاسة الحكومة الانتقالية بينما يفقد حلفاؤه السيطرة على جانب مهم من العمل البرلماني.
السيناريو الخامس.. الفشل السياسي والعودة إلى الانتخابات
إذا تعذر تشكيل حكومة يمينية، وفشل معسكر التغيير في التوصل إلى اتفاق، ولم تنجح محاولات إقامة حكومة وحدة وطنية، فإن إسرائيل قد تجد نفسها أمام انتخابات جديدة.
فبعد إعلان النتائج الرسمية، تبدأ المشاورات الرئاسية، ثم يحصل المرشح المكلف على 28 يومًا لتشكيل الحكومة، قابلة للتمديد 14 يومًا إضافيًا.
وإذا فشلت المحاولة الأولى، يتيح القانون تكليف مرشح آخر، ثم يمنح الكنيست فرصة أخيرة للتوافق على شخصية قادرة على تشكيل الحكومة.
أما إذا استنفدت هذه الإجراءات دون نتيجة، فيُفتح الطريق نحو انتخابات جديدة.
وقد شهدت إسرائيل أزمة مشابهة بين عامي 2019 و2022، عندما جرت خمس انتخابات خلال أقل من أربع سنوات، بسبب تعثر تشكيل ائتلافات مستقرة.
وفي هذه الحالة، يستمر نتنياهو في رئاسة حكومة تصريف الأعمال إلى حين تشكيل حكومة جديدة، مع استمرار القيود القانونية والمؤسساتية التي تحكم عمل الحكومات الانتقالية.
وهنا قد يجد خصومه أنفسهم أمام معضلة سياسية. فهم ينجحون في منعه من تشكيل حكومة جديدة، لكنهم لا ينجحون بالضرورة في إخراجه من السلطة.
ماذا تعني هذه السيناريوهات بالنسبة للفلسطينيين؟
رغم أهمية الصراع على رئاسة الحكومة الإسرائيلية، فإن تغيير رئيس الوزراء لا يعني بالضرورة تحولًا جوهريًا في السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.
فعدد من أبرز منافسي نتنياهو، وبينهم آيزنكوت وبينيت وليبرمان، يتبنون مواقف أمنية متشددة، رغم خلافاتهم العميقة مع رئيس الليكود بشأن إدارة الدولة والقضاء والتحالفات الحزبية.
وبالتالي، فإن التغيير المحتمل قد يتركز في أسلوب الحكم، وتوزيع السلطة، والعلاقة بين المؤسسات الإسرائيلية، أكثر مما يتركز في إعادة النظر في الاحتلال والاستيطان والسياسة تجاه قطاع غزة والضفة الغربية.
وفي المقابل، فإن ارتفاع تمثيل الأحزاب العربية يمنح المواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل وزنًا برلمانيًا مهمًا، لكنه لا يضمن تحول هذا الوزن إلى مشاركة فعلية في صناعة القرار.
الخلاصة
تكشف انتخابات السابع والعشرين من أكتوبر عن أزمة عميقة في النظام السياسي الإسرائيلي.
فنتنياهو قد يمتلك الحزب الأكبر دون أن يمتلك أغلبية الحكم. وآيزنكوت قد يتمكن من جمع أصوات تعارض استمرار نتنياهو، دون أن يستطيع تحويلها إلى حكومة متماسكة. أما ليبرمان، فقد يؤدي دورًا مؤثرًا في تحديد شكل التحالفات أو في المعركة البرلمانية المقبلة.
وبين هذه الاحتمالات، تبدو رئاسة الكنيست ساحة صراع موازية لرئاسة الحكومة، فيما تبقى المحاكمات والقوانين القضائية والتحقيق في السابع من أكتوبر ملفات قابلة لإعادة رسم التحالفات.
ولذلك، فإن النتائج النهائية وحدها لن تحسم مستقبل السلطة في إسرائيل. فالأرقام ستحدد حجم الكتل، لكن الاتفاقات السياسية ستحدد من يستطيع الحكم.
وقد تنتهي هذه الانتخابات إلى مفارقة لافتة، أن يبقى نتنياهو على رأس الحكومة دون أن يملك الأغلبية، وأن يمتلك خصومه القدرة على تعطيل مشروعه السياسي دون أن يمتلكوا القدرة على إزاحته من السلطة.






































