برلين (عرب 24) تواجه العاصمة الألمانية أزمة أمن سيبراني واسعة بعد اختراق شبكة الولاية وسرقة كمية كبيرة من البيانات. وأعلنت مجموعة القرصنة Rhysida نشر الملفات التي تقول إنها استولت عليها عبر شبكة الإنترنت المظلم، بعد رفض حكومة برلين دفع فدية مالية.
وأكدت حكومة برلين أن مجموعة Rhysida أعلنت مسؤوليتها عن الهجوم. وتزعم المجموعة أنها استولت على نحو 5.7 تيرابايت من البيانات الحكومية، أي ما يقارب 1.44 مليون ملف وفق تقديرات نشرتها.
وطالب المهاجمون بفدية قدرها 30 عملة بيتكوين، تعادل نحو مليوني يورو، مقابل عدم نشر البيانات. وانتهت المهلة التي حددتها المجموعة يوم الجمعة 4 سبتمبر 2026، بعدما رفضت حكومة برلين الاستجابة للابتزاز.
وقال المسؤول الرقمي في ولاية برلين فلوريان هاور إن الولاية لن تخضع للابتزاز، مؤكداً أن حماية موظفي الإدارة وسكان العاصمة تأتي في مقدمة الأولويات.
بيانات موظفين ومواطنين تحت الخطر
لا تتعلق خطورة الهجوم بحجم البيانات المسروقة فقط، بل بطبيعتها أيضاً. ووفق المعلومات المتاحة حتى الآن، قد تشمل الملفات بيانات شخصية لموظفين في مؤسسات الولاية، إلى جانب معلومات مرتبطة بمواطنين وشركات تتعامل مع الإدارة.
وتدعي مجموعة Rhysida أن المواد التي حصلت عليها تتضمن عشرات الآلاف من الملفات الإدارية والقانونية والمالية، إضافة إلى ملفات للموارد البشرية ومعلومات مرتبطة بالبنية التحتية ووثائق مصنفة على أنها سرية وبيانات مرتبطة بكلمات مرور. ولا تزال السلطات الألمانية تفحص المحتويات لتحديد حجم الضرر الحقيقي ومدى صحة ادعاءات القراصنة.
وبعد نشر البيانات، أعلنت حكومة برلين أن فرق التحقيق والأمن الرقمي تعمل على فحص الملفات المسربة بصورة عاجلة، وأن الأشخاص الذين يثبت تأثر بياناتهم سيجري إبلاغهم وفق القواعد القانونية المعمول بها.
كما دعت السلطات أي شخص يكتشف استخدام بياناته في عمليات احتيال أو سرقة هوية إلى إبلاغ الشرطة.
لماذا رفضت برلين دفع الفدية
أثار قرار حكومة برلين عدم دفع نحو مليوني يورو نقاشاً حول الخيارات المتاحة أمام الحكومات عند تعرضها لهجمات إلكترونية من هذا النوع.
فدفع الفدية لا يضمن حذف البيانات أو عدم بيعها لاحقاً. كما يوفر تمويلاً مباشراً للجماعات الإجرامية وقد يشجعها على استهداف مؤسسات أخرى. ولهذا تمسكت حكومة برلين بموقفها ورفضت التفاوض المالي مع المهاجمين.
لكن رفض الفدية لا يلغي السؤال المتعلق بكيفية تمكن مجموعة إجرامية من الوصول إلى هذا الحجم من المعلومات داخل واحدة من أهم الشبكات الإدارية في ألمانيا.
وتشارك شرطة برلين الجنائية والنيابة العامة والمكتب الاتحادي لأمن تكنولوجيا المعلومات في التحقيقات. ولم تقدم السلطات حتى الآن صورة نهائية عن طريقة الدخول إلى الشبكة أو جميع الثغرات التي سمحت بسرقة البيانات.
مخاطر قد تستمر لسنوات
نشر البيانات لا يعني انتهاء الأزمة. فقد تستخدم المعلومات المسروقة لاحقاً في عمليات احتيال إلكتروني أو انتحال شخصية أو رسائل تصيد تستهدف موظفين ومواطنين بصورة دقيقة.
وحذر المكتب الاتحادي لأمن تكنولوجيا المعلومات من ارتفاع مستوى المخاطر بعد التسريب، خصوصاً مع إمكانية استخدام الوثائق المسروقة في عمليات تعرف باسم Hack and Leak. وفي هذه العمليات تنشر بيانات حقيقية أحياناً إلى جانب معلومات معدلة أو موضوعة في سياق مضلل بهدف التأثير في الرأي العام.
وتزداد حساسية القضية بسبب توقيتها السياسي. إذ تستعد برلين لانتخابات مجلس النواب المحلي في 20 سبتمبر 2026، ما يجعل أي تسريب لوثائق حكومية أو محاولة للتلاعب بمحتواها قضية تتجاوز الأمن التقني إلى الأمن السياسي والمؤسساتي.
أزمة تتجاوز برلين
يعيد الهجوم طرح سؤال أوسع داخل ألمانيا وأوروبا حول قدرة المؤسسات العامة على حماية الكم الهائل من المعلومات التي تجمعها عن المواطنين.
فالتحول الرقمي يمنح الإدارات قدرة أكبر على معالجة البيانات وتقديم الخدمات، لكنه يخلق في الوقت نفسه نقاط ضعف خطيرة عندما لا تتطور أنظمة الحماية بالسرعة نفسها.
وبالنسبة لبرلين، لن تتوقف القضية عند معرفة هوية المهاجمين. وستتجه الأسئلة السياسية إلى مستوى الحماية الذي كان قائماً قبل الهجوم، وسرعة اكتشاف الاختراق، والإجراءات التي اتخذتها السلطات بعد وقوعه، والمسؤولية عن أي قصور محتمل سمح بخروج هذا الحجم من الملفات من الشبكة الحكومية.
رفض دفع الفدية يمكن الدفاع عنه أمنياً. لكن الاختبار الحقيقي لحكومة برلين يبدأ في تفسير كيفية وصول البيانات إلى المهاجمين، وكيف ستمنع تكرار ذلك، ومن سيتحمل المسؤولية إذا أثبت التحقيق وجود إهمال في حماية معلومات الموظفين والمواطنين.



































