تدخل الحرب في أوكرانيا مرحلة أكثر خطورة مع تصعيد روسي واسع في الضربات الجوية واستهداف منشآت الطاقة والمياه والبنية التحتية المدنية، في وقت تبدو فيه موسكو مقتنعة بأن عامل الزمن بدأ يعمل لمصلحتها.
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يظهر في الوقت الحالي استعداداً للقبول بوقف لإطلاق النار على خطوط المواجهة الحالية. داخل موسكو يسود اعتقاد بأن استمرار الضغط العسكري والاقتصادي خلال الأشهر المقبلة يمكن أن يدفع كييف إلى تقديم تنازلات إقليمية، خصوصاً في منطقة دونباس.
ويأتي هذا التصعيد بعد زيارة نادرة قام بها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون راتكليف إلى موسكو، حيث حمل رسالة مباشرة إلى الجانب الروسي مفادها أن استمرار الحرب سيؤدي إلى إضعاف روسيا اقتصادياً وعسكرياً، وأن العودة إلى المفاوضات ستكون في مصلحتها.
لكن الرسالة لم تحقق النتيجة المطلوبة.
التقديرات داخل الأوساط الروسية تشير إلى أن بوتين قرأ التحرك الأميركي بصورة مختلفة، ورأى فيه مؤشراً على رغبة واشنطن في إنهاء الحرب أكثر من كونه تهديداً لموسكو.
بعد الزيارة، كثفت روسيا هجماتها بالطائرات المسيرة والصواريخ على المدن الأوكرانية وشبكات الطاقة والمياه، في إشارة واضحة إلى أن الكرملين لا يعتزم تعديل موقفه التفاوضي في الوقت الحالي.
دونباس في قلب الحسابات الروسية
رغم أن التقدم العسكري الروسي على الأرض لم يحقق اختراقات سريعة خلال الأشهر الماضية، فإن السيطرة الكاملة على دونباس ما زالت تمثل الحد الأدنى الذي يبدو أن موسكو تريد تحقيقه قبل الدخول في أي تسوية سياسية واسعة.
داخل القيادة الروسية يسود اعتقاد بأن القوات الروسية تمتلك قدرة أكبر على تحمل حرب طويلة، وأن أي ضربة أوكرانية يمكن الرد عليها بضربة أشد تأثيراً.
بوتين نفسه أبدى ثقة كبيرة في قدرة روسيا على مواصلة الحرب، معتبراً أن أوكرانيا يمكن أن تصل في مرحلة معينة إلى نقطة الانهيار.
هذه الاستراتيجية لا تقوم فقط على السيطرة العسكرية على الأراضي. موسكو تراهن بصورة متزايدة على إنهاك الدولة الأوكرانية من الداخل.
استهداف شبكات الكهرباء والمياه مع اقتراب الشتاء يمكن أن يؤدي إلى زيادة الضغط على السكان والحكومة الأوكرانية، خصوصاً إذا ترافق ذلك مع نقص في أنظمة الدفاع الجوي والتمويل الغربي.
الشتاء يتحول إلى سلاح
أحد أهم عناصر الحسابات الروسية خلال المرحلة المقبلة هو فصل الشتاء.
الضربات المتكررة ضد منشآت الكهرباء والمياه يمكن أن تضع ملايين الأوكرانيين أمام ظروف معيشية أكثر صعوبة، في وقت تعاني فيه كييف من تراجع مخزون بعض أنظمة الدفاع الجوي، وعلى رأسها منظومات باتريوت.
وتتزايد المخاوف داخل أوكرانيا من أن يؤدي استمرار القصف إلى أزمة إنسانية تشمل الكهرباء والتدفئة والمياه وحتى الإمدادات الغذائية.
الهدف الروسي يبدو واضحاً. زيادة الضغط على المجتمع الأوكراني إلى مستوى قد يجعل استمرار الحرب أكثر كلفة من الدخول في مفاوضات بشروط غير مريحة لكييف.
لكن هذه الاستراتيجية تبقى محفوفة بالمخاطر، لأنها تعتمد على قدرة روسيا نفسها على تحمل حرب استنزاف طويلة.
الاقتصاد الروسي ليس بلا مشاكل
روسيا تواجه في المقابل تحديات اقتصادية متزايدة.
العجز في الميزانية الروسية وصل بنهاية يوليو إلى نحو 74.4 مليار دولار، أي ما يعادل 2.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى أعلى بكثير من التوقعات الحكومية السابقة.
كما ارتفعت المخاوف داخل القطاع المالي، وبدأ المواطنون بسحب مليارات من النظام المصرفي، فيما تتزايد الديون الرديئة بعد توسع كبير في الإقراض للشركات المرتبطة بالإنتاج العسكري.
الأزمة أصبحت أكثر وضوحاً بعد الضربات الأوكرانية ضد منشآت الطاقة داخل روسيا، والتي أدت إلى تراجع إنتاج الوقود وظهور أسوأ أزمة في إمدادات البنزين منذ انهيار الاتحاد السوفيتي.
بوتين أقر بأن موسكو لم تكن مستعدة بشكل كاف لهذا النوع من الهجمات، وحذر الروس من احتمال استمرار نقص الوقود لفترة طويلة.
ومع ذلك، يبدو أن القيادة الروسية تعتقد أن هذه الخسائر ما زالت قابلة للتحمل مقارنة بالضغوط التي تواجهها أوكرانيا.
ارتفاع أسعار النفط يمنح موسكو متنفساً
هناك عامل آخر يصب حالياً في مصلحة روسيا.
ارتفاع أسعار النفط نتيجة التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران يوفر لموسكو إيرادات إضافية في لحظة تواجه فيها ميزانيتها ضغوطاً كبيرة.
كل ارتفاع في أسعار الطاقة يمنح الاقتصاد الروسي مساحة أكبر لتمويل الحرب وتعويض جزء من الخسائر الناتجة عن العقوبات والهجمات الأوكرانية.
لهذا لا تنظر موسكو إلى الحرب في أوكرانيا بمعزل عن التطورات في الشرق الأوسط.
أي أزمة تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط يمكن أن تمنح روسيا مزيداً من الوقت.
أوكرانيا تحتاج مليارات إضافية
على الجانب الآخر تواجه كييف أزمة تمويل متزايدة.
الحكومة الأوكرانية تسعى للحصول على نحو 27 مليار دولار إضافية من الاتحاد الأوروبي لسد النقص في ميزانية الدفاع.
وهذا الرقم يعكس أحد أهم عناصر استراتيجية بوتين.
الحرب لم تعد مواجهة بين روسيا وأوكرانيا فقط. قدرة كييف على الاستمرار تعتمد بصورة مباشرة على استعداد الدول الأوروبية والولايات المتحدة لمواصلة تمويلها وتسليحها.
ولهذا فإن الكرملين يراقب السياسة الداخلية الأوروبية بالقدر نفسه الذي يراقب فيه خطوط الجبهة.
ألمانيا وفرنسا تدخلان حسابات الكرملين
التغيرات السياسية داخل أوروبا أصبحت جزءاً من الرهان الروسي.
صعود قوى سياسية تنتقد حجم الدعم المقدم لأوكرانيا يمكن أن يؤدي تدريجياً إلى تغيير ميزان المواقف داخل أوروبا.
في ألمانيا يحقق حزب البديل من أجل ألمانيا نتائج قوية، بينما تشهد فرنسا تقدماً ملحوظاً لمارين لوبان مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقبلة.
هذه التحولات لا تعني بالضرورة توقف الدعم الأوروبي لأوكرانيا، لكنها تثير داخل موسكو توقعات بأن الوحدة الغربية قد تصبح أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
الرهان الروسي يقوم على أن كل انتخابات أوروبية جديدة يمكن أن تزيد الانقسامات حول الحرب وتكاليفها.
سباق بين صمود موسكو وصمود الغرب
المعركة الأساسية لم تعد تدور فقط حول من يتقدم بضعة كيلومترات على الأرض.
السؤال الحقيقي أصبح من يستطيع الصمود مدة أطول.
بوتين يراهن على أن أوكرانيا ستواجه شتاءً قاسياً وأزمة تمويل ونقصاً في الدفاعات الجوية، بينما ستزداد الانقسامات السياسية داخل أوروبا.
لكن هذا الرهان يحمل مخاطره الخاصة.
استمرار نقص الوقود في روسيا، وارتفاع الأسعار، وتزايد الضغوط على الميزانية يمكن أن يؤدي إلى تآكل الدعم الداخلي للحرب.
لهذا تدخل المواجهة مرحلة دقيقة.
موسكو تريد إثبات أن الزمن يعمل لمصلحتها. كييف تراهن على استمرار الدعم الغربي. أما أوروبا فتجد نفسها أمام اختبار قد يكون الأصعب منذ بداية الحرب.
الشتاء المقبل قد لا يحسم الحرب عسكرياً، لكنه قد يحدد من يدخل المرحلة التالية منها في موقع أقوى.



































