دخلت التداعيات البيئية للحرب في قطاع غزة مرحلة جديدة بعدما خرجت خمس من أصل ست محطات رئيسية لتحلية مياه البحر في إسرائيل عن الخدمة خلال هذا الأسبوع، في أزمة دفعت السلطات إلى تقنين المياه المخصصة للزراعة وزيادة الاعتماد على بحيرة طبريا والخزانات المحلية.
السبب المباشر لتعطل المحطات كان انتشاراً واسعاً للطحالب المجهرية في مياه البحر المتوسط، ما أدى إلى انسداد أنابيب سحب المياه. وتشير تقديرات بيئية إسرائيلية إلى أن هذه الطحالب جاءت أساساً من منطقة دلتا النيل في مصر، لكن كميات كبيرة من مياه الصرف الصحي غير المعالجة المتدفقة من قطاع غزة قد تكون ساهمت في زيادة نموها وانتشارها.
وتكشف الأزمة جانباً جديداً من تداعيات الحرب. فالأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للمياه والصرف الصحي داخل غزة لم تعد آثارها محصورة داخل القطاع، بل بدأت تمتد عبر البحر المتوسط إلى الساحل الإسرائيلي.
انهيار منظومة المياه والصرف في غزة
وتعاني غزة منذ أشهر انهياراً شبه كامل في منظومة المياه والصرف الصحي. وتشير تقديرات أممية إلى أن نحو 90 في المئة من البنية التحتية للمياه في القطاع، بما في ذلك منشآت التحلية وشبكات الصرف ومحطات المعالجة، تعرضت للدمار أو لأضرار جسيمة.
كما توقفت محطات معالجة مياه الصرف الست في القطاع، فيما أصبحت نحو 70 في المئة من محطات ضخ مياه الصرف خارج الخدمة.
هذا الانهيار أدى إلى تدفق نحو 40 ألف متر مكعب من مياه الصرف غير المعالجة يومياً إلى البحر المتوسط. كما تتسرب نحو 15 ألف متر مكعب أخرى إلى التربة والمياه الجوفية عبر الحفر وشبكات الصرف المتضررة.
وتحمل مياه الصرف مواد عضوية وعناصر غذائية تساعد على تكاثر الطحالب في البحر، وهو ما يثير مخاوف من أن يتحول تدهور البنية التحتية في غزة إلى عامل ضغط مباشر على منشآت المياه الإسرائيلية.
مخاوف من أزمة مياه أوسع
في الداخل الإسرائيلي، أدى توقف محطات التحلية إلى تقليص كميات المياه المتاحة للقطاع الزراعي، فيما رفعت شركة المياه الوطنية كميات الضخ من الخزانات المحلية لتعويض النقص.
وحتى الآن لم تسجل أزمة واسعة في مياه الشرب، لكن الخطر الحقيقي يكمن في استمرار الظاهرة أو تكرارها.
وتعتمد إسرائيل بدرجة كبيرة على تحلية مياه البحر لتأمين احتياجاتها المائية، ولذلك فإن أي اضطراب طويل الأمد في عمل هذه المنشآت يمكن أن يتحول إلى قضية أمن مائي تتجاوز كونها مشكلة بيئية مؤقتة.
وليست هذه المرة الأولى التي تصل فيها آثار أزمة الصرف الصحي في غزة إلى الساحل الإسرائيلي.
ففي عام 2017 أدى نقص الوقود والكهرباء في القطاع إلى توقف منشآت لمعالجة مياه الصرف، ووصلت المياه الملوثة إلى الساحل الإسرائيلي، ما تسبب حينها في إغلاق محطة التحلية في عسقلان.
لكن الأزمة الحالية أكثر خطورة بسبب حجم الدمار الذي أصاب البنية التحتية في غزة خلال الحرب.
مفارقة سياسية وأمنية
وتظهر هنا مفارقة سياسية وأمنية واضحة.
إسرائيل تفرض قيوداً على دخول بعض المعدات اللازمة لإصلاح منشآت الصرف الصحي في غزة بسبب تصنيفها ضمن المواد التي يمكن استخدامها لأغراض مدنية وعسكرية. في المقابل، يؤدي استمرار تعطل هذه المنشآت إلى ضخ مزيد من مياه الصرف في البحر، وهو ما قد يزيد المخاطر على محطات التحلية الإسرائيلية نفسها.
وبهذا تحولت إعادة تأهيل منظومة المياه والصرف الصحي في غزة من مسألة إنسانية تخص الفلسطينيين وحدهم إلى قضية ترتبط مباشرة بالصحة العامة والأمن المائي في إسرائيل.
فالبحر لا يعترف بالحدود السياسية، والملوثات التي تخرج من شاطئ غزة يمكن أن تنتقل مع التيارات البحرية إلى مناطق أخرى.
الأزمة الحالية تقدم مثالاً واضحاً على أن آثار الحرب لا تتوقف عند خطوط الجبهة. دمار البنية التحتية في غزة أدى أولاً إلى أزمة إنسانية قاسية داخل القطاع، واليوم بدأت بعض نتائج هذا الدمار تعود عبر البحر إلى إسرائيل، لتفتح جبهة جديدة عنوانها المياه والبيئة والصحة العامة.



































