قراءة جيوسياسية وعسكرية في مستقبل المواجهة بين واشنطن وطهران
ما يجري في الخليج لم يعد مجرد مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران. الصراع تحوّل إلى اختبار لقدرة واشنطن على حماية النظام الاقتصادي الذي تقوده، وقدرة إيران على استخدام الجغرافيا والطاقة والتجارة العالمية لتعويض اختلال ميزان القوة العسكري.
الولايات المتحدة تملك تفوقا جويا وبحريا وتكنولوجيا لا تستطيع إيران مجاراته. لكن إيران لا تحتاج إلى هزيمة الجيش الأمريكي في معركة تقليدية. يكفيها أن تجعل تكلفة السيطرة على الخليج أعلى من قدرة واشنطن السياسية والاقتصادية على تحمّلها.
هذه هي معادلة الحرب الحالية.
ماذا حصل حتى الآن
بدأت واشنطن وإسرائيل عملياتهما ضد إيران في 28 فبراير 2026. كان الهدف المعلن تعطيل البرنامج النووي الإيراني وضرب القدرات الصاروخية والعسكرية.
لكن الحرب لم تُنتج استسلاما إيرانيا ولا تسوية نهائية.
تراجعت حركة ناقلات النفط والغاز عبر هرمز بشدة خلال مراحل الصراع. وانخفضت تدفقات النفط والمنتجات النفطية التي كانت تقترب قبل الحرب من عشرين مليون برميل يوميا إلى مستويات محدودة خلال الإغلاق الفعلي للمضيق. كما انخفض إنتاج دول الخليج بسبب امتلاء المخزونات وصعوبة تصدير النفط.
جرى التوصل في يونيو إلى تفاهم مؤقت بين واشنطن وطهران. لكنه انهار بعد تجدد الهجمات على السفن وتبادل الضربات. وفي 13 يوليو أعلن ترامب عزمه فرض حصار على السفن الإيرانية وفرض رسوم على السفن التي تمر تحت الحماية الأمريكية. وردت إيران بالتأكيد أنها صاحبة السيطرة الفعلية على المضيق وبضرب منشآت وقواعد أمريكية في عدد من دول المنطقة.
النتيجة أن الطرفين يدعيان السيطرة على هرمز، لكن أيا منهما لم ينجح في ضمان مرور مستقر وآمن للسفن.
هل تتجه الولايات المتحدة إلى اجتياح بري
حتى الآن لا توجد أدلة علنية كافية على قرار أمريكي باجتياح إيران أو تنفيذ إنزال بري واسع.
ضرب الرادارات والمنشآت الساحلية ومنصات الصواريخ يمكن أن يكون تمهيدا لعدة عمليات، منها حماية الملاحة، تدمير القدرات الإيرانية المضادة للسفن، تنفيذ عمليات محدودة ضد جزر أو منشآت ساحلية، أو فرض منطقة أمنية حول ممرات الشحن.
لكن الاجتياح الكامل لإيران مختلف تماما.
إيران دولة كبيرة يتجاوز عدد سكانها تسعين مليون نسمة. تضاريسها جبلية ومساحتها واسعة. مؤسساتها العسكرية والأمنية موزعة داخل البلاد. ولا يمكن السيطرة عليها بضربات جوية أو بإنزال محدود.
أي اجتياح حقيقي يحتاج إلى مئات الآلاف من الجنود وقواعد إمداد ضخمة وتعاونا واسعا من دول المنطقة. كما سيحتاج إلى احتلال طويل لا يبدو أن المجتمع الأمريكي أو حلفاء واشنطن مستعدون لتحمل تكلفته.
الأقرب هو أن تستخدم الولايات المتحدة قوات خاصة ومشاة بحرية في عمليات محددة، مثل السيطرة المؤقتة على جزر أو موانئ أو منصات صاروخية. لكن حتى هذا الخيار قد يدفع إيران إلى توسيع الحرب ضد القواعد الأمريكية ودول الخليج والملاحة الدولية.
لذلك فإن السيناريو الأخطر ليس اجتياح طهران. بل سلسلة عمليات محدودة تتحول تدريجيا إلى حرب كبيرة من دون قرار رسمي ببدئها.
هرمز يكشف حدود القوة الأمريكية
المشكلة الأمريكية ليست القدرة على ضرب إيران. المشكلة هي ما الذي يحدث بعد الضربة.
تستطيع واشنطن تدمير رادار أو قاعدة صاروخية. لكن لا يمكنها وضع سفينة حربية بجانب كل ناقلة. ولا تستطيع منع الصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام البحرية والزوارق السريعة بصورة كاملة.
كذلك لا تحتاج إيران إلى إغلاق المضيق قانونيا أو عسكريا بصورة مطلقة. يكفي رفع مستوى الخطر حتى ترفض شركات التأمين تغطية السفن أو ترفع أقساط التأمين إلى مستويات كبيرة.
عندما تتردد شركات الشحن في الدخول إلى الخليج تكون إيران قد حققت جزءا من هدفها، حتى لو بقي الأسطول الأمريكي موجودا.
لهذا فإن السيطرة في هرمز ليست رفع علم على الممر البحري. السيطرة الحقيقية هي القدرة على تحديد كلفة المرور ومستوى المخاطر وسلوك شركات الشحن.
معضلة ترامب داخل الولايات المتحدة
تدخل الولايات المتحدة انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر 2026. الجمهوريون يحاولون الاحتفاظ بمجلسي النواب والشيوخ.
ترامب وصل إلى الرئاسة بشعار خفض الأسعار وإنهاء الحروب. لكنه أصبح رئيسا يدير حربا طويلة تسببت في ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء والنقل.
في استطلاع لرويترز وإبسوس أُجري في يونيو، انخفضت نسبة تأييد ترامب إلى 34 في المئة. وقال 23 في المئة فقط إن الولايات المتحدة أصبحت أقوى بعد الحرب مع إيران. كما رأى 63 في المئة أن التهدئة مع طهران لن تدوم.
الأخطر على ترامب ليس عدد الطائرات أو الصواريخ التي تفقدها الولايات المتحدة. الأخطر هو سعر الوقود الذي يراه المواطن الأمريكي يوميا.
وصل متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة خلال مايو إلى أكثر من 4.50 دولار للغالون. وبدأ البيت الأبيض يبحث تعليق الضريبة الفيدرالية على الوقود بسبب محدودية الأدوات المتاحة لخفض الأسعار.
كما مرر مجلس النواب في يونيو قرارا يطالب بوقف العمليات العسكرية ضد إيران، بعد انضمام عدد من الجمهوريين إلى الديمقراطيين. القرار لا يوقف الحرب مباشرة، لكنه يكشف بداية انقسام داخل الحزب الجمهوري.
ترامب يواجه الآن تناقضا سياسيا.
التراجع أمام إيران يمكن أن يظهره ضعيفا أمام قاعدته وحلفائه.
استمرار الحرب يرفع الأسعار ويهدد الأغلبية الجمهورية في الكونغرس.
الاجتياح البري قد يفجر تمردا داخل الحزب الجمهوري نفسه، خصوصا بين التيار الرافض للحروب الخارجية.
لهذا يرجح أن يبحث ترامب عن انتصار يمكن تسويقه إعلاميا، لا عن احتلال إيران. قد يكون ذلك اتفاقا نوويا جديدا، ترتيبا لإدارة الملاحة، تدمير منشأة إيرانية كبيرة، أو إعلان استعادة حرية المرور في هرمز.
لكن كلما طال النزاع قلت قدرة ترامب على التحكم في توقيت النهاية وشروطها.
إسرائيل وانتخابات 27 أكتوبر
تقرر إجراء الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر 2026 بعد حل الكنيست. وهي أول انتخابات إسرائيلية منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023 والحروب التي أعقبته في غزة ولبنان وإيران.
نتنياهو سيخوض الانتخابات، لكنه يدخلها في وضع صعب.
صورته كرجل أمن تعرضت لضربة بعد هجوم أكتوبر 2023. الحرب الطويلة لم تحقق جميع الأهداف المعلنة. الأسرى والجنود والاقتصاد والانقسام الداخلي أصبحت كلها ملفات انتخابية.
استطلاعات الرأي تشير إلى احتمال خسارة معسكر نتنياهو أغلبيته، لكن المعارضة لا تملك حتى الآن طريقا مضمونا لتشكيل حكومة. كما تشكل تحالف جديد بين نفتالي بينيت ويائير لابيد، بينما يحاول رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت تقديم نفسه بديلا أمنيا لا يمكن اتهامه بالضعف.
الحرب مع إيران لم تمنح نتنياهو الارتفاع المتوقع في استطلاعات الرأي. كما أن الاتفاق الأمريكي المؤقت مع طهران أظهر أن ترامب يستطيع وقف الحرب أو تغيير اتجاهها حتى من دون تحقيق جميع الأهداف الإسرائيلية.
نتنياهو يحتاج قبل الانتخابات إلى واحد من ثلاثة أمور.
إنجاز عسكري واضح ضد إيران.
إطلاق الأسرى أو تسوية في غزة يمكن تقديمها كانتصار.
أزمة أمنية كبيرة تعيد توحيد الناخبين حول قيادة الحرب.
وهنا تكمن الخطورة. عندما تصبح الحرب جزءا من المعركة الانتخابية قد تتراجع الحسابات العسكرية المهنية أمام الحسابات السياسية. وقد تجد إسرائيل مصلحة في استمرار مستوى معين من التوتر حتى موعد الانتخابات، من دون الوصول إلى حرب شاملة لا تستطيع التحكم في نتائجها.
العلاقة بين حسابات ترامب ونتنياهو
مصالح الرجلين ليست متطابقة.
نتنياهو يستطيع استخدام الخطر الإيراني لتعبئة اليمين الإسرائيلي وتأجيل النقاش حول مسؤوليته عن الإخفاقات الداخلية.
ترامب يحتاج إلى خفض أسعار النفط والبنزين قبل انتخابات نوفمبر.
نتنياهو قد يفضّل استمرار الضغط العسكري.
ترامب يحتاج إلى نتيجة سريعة تسمح بفتح هرمز وتهدئة الأسواق.
هذا الاختلاف قد يخلق توترا حقيقيا بين واشنطن وتل أبيب. وقد تضغط إسرائيل باتجاه ضربات جديدة ضد البرنامج النووي أو القيادات الإيرانية، بينما يحاول ترامب التوصل إلى اتفاق يحفظ ماء الوجه.
كلما اقترب موعد 27 أكتوبر الإسرائيلي وانتخابات نوفمبر الأمريكية ستزداد حساسية أي عملية عسكرية. ضربة واحدة كبيرة قد تستخدم لتغيير المزاج الانتخابي في البلدين.
دول الخليج بين المال والأمن
دول الخليج ليست مجرد ساحة للقواعد الأمريكية. هي دول تملك موانئ ومطارات وصناديق سيادية ومشروعات اقتصادية ضخمة تحتاج إلى الاستقرار.
ارتفاع أسعار النفط يمنح بعض الدول الخليجية دخلا إضافيا. لكن هذه الفائدة قد تختفي عندما تصبح الدولة غير قادرة على تصدير نفطها أو عندما تتعرض منشآتها لهجمات.
النفط المرتفع السعر لا يساوي شيئا إذا بقي داخل الخزانات.
كما أن السعودية والإمارات وقطر تبني استراتيجياتها الاقتصادية على السياحة والطيران والخدمات المالية والصناعة وجذب الاستثمارات. الحرب الطويلة ترفع التأمين وتؤخر المشروعات وتضغط على المطارات والموانئ والأسواق المالية.
لهذا ستكون دول الخليج أكثر ميلا إلى سياسة مزدوجة.
الحفاظ على العلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة.
رفض تحويل أراضيها إلى منصات مفتوحة لحرب طويلة ضد إيران.
زيادة التواصل مع الصين والهند وروسيا.
تسريع خطوط الأنابيب والموانئ التي تتجاوز هرمز.
توسيع الاستثمارات في التخزين والبتروكيماويات والأمن الغذائي.
تملك السعودية والإمارات خطوطا تستطيع تجاوز المضيق، لكن القدرة المتاحة غير المستخدمة لا تكفي لتعويض عشرين مليون برميل يوميا كانت تعبر هرمز. قدرت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية القدرة الاحتياطية القابلة للاستخدام بنحو 2.6 مليون برميل يوميا، بينما تبلغ الطاقة الاسمية الإجمالية للخطوط الرئيسية نحو 4.7 مليون برميل يوميا.
هذا يعني أن خطوط الأنابيب تخفف الأزمة لكنها لا تحلها.
النفط والغاز والمخزونات
قبل الحرب كان نحو ربع تجارة النفط البحرية العالمية يمر عبر هرمز.
خلال مارس وأبريل انخفضت المخزونات النفطية العالمية بصورة حادة. وقدرت وكالة الطاقة الدولية انخفاض المخزونات البرية بنحو 170 مليون برميل خلال أبريل وحده بسبب تعطل التجارة البحرية.
في 13 يوليو ارتفع خام برنت بنحو ثلاثة في المئة إلى قرابة 78 دولارا للبرميل بعد تجدد الضربات. السعر ما زال أقل من الذروة التي يمكن أن يبلغها في حال إغلاق طويل، لأن السوق تراهن حتى الآن على أن الطرفين لا يريدان توقفا كاملا ودائما.
لكن هذه المراهنة هشة.
في حال استمرار القيود حتى نهاية 2026، وضعت المفوضية الأوروبية سيناريو قد يصل فيه النفط إلى نحو 180 دولارا للبرميل في الربع الأخير، والغاز الأوروبي إلى نحو 80 يورو لكل ميغاواط ساعة. هذا سيناريو ضغط وليس توقعا مؤكدا.
الغاز أكثر تعقيدا من النفط. يمكن نقل جزء من النفط عبر الأنابيب أو استخدام الاحتياطيات الاستراتيجية. أما الغاز القطري المسال فلا يملك طريقا بحريا بديلا عن هرمز.
تقدر وكالة الطاقة الدولية أن تعطل الغاز المسال القطري والإماراتي حرم السوق من أكثر من 300 مليون متر مكعب يوميا، أي أكثر من ملياري متر مكعب أسبوعيا.
أوروبا أمام أزمة طاقة جديدة
أوروبا أقل اعتمادا المباشر على نفط الخليج من آسيا. لكنها تتأثر بالسعر العالمي نفسه.
كما تعتمد على سوق الغاز المسال العالمية. عندما يتراجع الغاز القطري تبدأ أوروبا وآسيا التنافس على الشحنات الأمريكية والأفريقية المتاحة.
هذا يرفع أسعار الغاز والكهرباء والأسمدة والصناعة والنقل.
تأتي الأزمة في وقت تخطط فيه أوروبا لإنهاء استيراد الغاز الروسي المسال خلال 2026 والغاز الروسي عبر الأنابيب في 2027. وهذا يضعها أمام تناقض صعب بين تقليل الاعتماد على روسيا وفقدان جزء من إمدادات الخليج في الوقت نفسه.
تختلف درجة التأثر داخل أوروبا. الغاز يحدد سعر الكهرباء في نسبة مرتفعة من ساعات السوق في إيطاليا، وفي نحو أربعين في المئة من الساعات في ألمانيا وهولندا خلال 2026. لذلك فإن ارتفاع الغاز ينتقل بسرعة إلى أسعار الكهرباء والصناعة.
القطاعات الأكثر تعرضا هي الكيميائيات والأسمدة والزجاج والصلب والألمنيوم والنقل والشركات كثيفة استهلاك الطاقة.
قد تعود الحكومات إلى دعم فواتير الطاقة وخفض الضرائب، لكن ذلك يزيد العجز والديون. وقد يضطر البنك المركزي الأوروبي إلى تأخير خفض الفائدة إذا عادت موجة التضخم.
هرمز ليس ممرا للطاقة فقط
هذه نقطة أساسية.
نحو ثلث تجارة الأسمدة البحرية العالمية يمر عبر مضيق هرمز. وتشكل اليوريا قرابة 67 في المئة من أسمدة الخليج المنقولة بحرا، تليها فوسفات ثنائي الأمونيوم وأنواع أخرى من الأسمدة الفوسفاتية.
تمر عبر المضيق كميات كبيرة من اليوريا والأمونيا والكبريت والفوسفات والغاز المستخدم في صناعة الأسمدة.
الغاز الطبيعي ليس فقط مصدرا للطاقة. هو المادة الأساسية لإنتاج الأمونيا والأسمدة النيتروجينية.
لذلك فإن إغلاق هرمز يضرب قطاع الأسمدة مرتين.
يمنع تصدير الأسمدة الجاهزة.
يرفع سعر الغاز المستخدم في إنتاج الأسمدة خارج الخليج.
ارتفعت أسعار اليوريا بأكثر من 28 في المئة خلال الأسابيع الأولى من الأزمة. وتقدر بعض الدراسات أن ما يصل إلى ثلاثين في المئة من تجارة الأسمدة العالمية مر عبر هرمز في 2024.
هذه الأزمة لا تظهر فورا في أسعار الخبز واللحوم. تحتاج إلى دورة زراعية.
يدفع المزارعون سعرا أعلى للأسمدة.
يخفض بعضهم الكميات المستخدمة.
تنخفض الإنتاجية الزراعية.
ترتفع أسعار الحبوب والأعلاف.
ثم ترتفع أسعار الدواجن واللحوم والحليب.
لذلك قد يمتد الأثر الغذائي للحرب إلى 2027 حتى لو أعيد فتح المضيق خلال 2026.
الدول الفقيرة المستوردة للغذاء والأسمدة ستكون الأكثر تضررا. فهي تواجه في الوقت نفسه ارتفاع سعر النفط والشحن والدولار والفائدة والأسمدة والحبوب. وحذرت أونكتاد من أن هذه الصدمة تأتي بينما تعاني دول نامية كثيرة من الديون وضيق قدرتها على تمويل الدعم.
الصين هي الرابح الهادئ والخاسر المحتمل
الصين تستفيد سياسيا من انشغال الولايات المتحدة في حرب جديدة. تستطيع تقديم نفسها وسيطا وشريكا اقتصاديا لا يفرض شروطا سياسية مشابهة للشروط الأمريكية.
كما تستطيع توسيع نفوذها لدى إيران ودول الخليج في الوقت نفسه.
لكن الصين ليست مستفيدة اقتصاديا من إغلاق هرمز. آسيا تستقبل نحو 84 في المئة من النفط الخام ونحو 83 في المئة من الغاز المسال الذي يمر عبر المضيق. لذلك فإن الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية تتحمل جزءا كبيرا من الصدمة المباشرة.
الصين تريد إضعاف الهيمنة الأمريكية، لكنها لا تريد انهيار نظام التجارة والطاقة الذي تعتمد عليه صناعتها.
من هنا قد يصبح دورها أكثر وضوحا في الوساطة وضمانات الملاحة وعقود الطاقة طويلة الأجل. وقد تستخدم الأزمة لتسريع تسوية التجارة باليوان وتوسيع حضورها البحري والسياسي في الخليج.
السيناريوهات المقبلة
السيناريو الأول
تفاهم محدود وفتح تدريجي لهرمز.
تتفق واشنطن وطهران عبر قطر أو عمان أو باكستان على وقف الهجمات، وإعادة التفتيش النووي، ووضع ترتيبات مؤقتة للملاحة.
هذا هو السيناريو الأفضل لترامب قبل الانتخابات. يسمح له بإعلان النصر وخفض أسعار الوقود من دون إرسال قوات برية.
لكنه لن يكون اتفاق سلام. سيكون هدنة قابلة للانهيار عند أول هجوم على سفينة أو قاعدة.
السيناريو الثاني
حرب استنزاف منضبطة.
تستمر الضربات الجوية والصاروخية مع مرور محدود للسفن. ترتفع تكاليف التأمين وتبقى أسعار النفط والغاز مرتفعة، لكن من دون إغلاق كامل.
هذا هو السيناريو الأكثر احتمالا في المدى القريب.
لا يريد أي طرف التراجع. ولا يريد أي طرف تحمل مسؤولية تفجير الاقتصاد العالمي. لذلك قد يحافظان على مستوى من العنف يسمح لكل منهما بادعاء الصمود.
السيناريو الثالث
عملية أمريكية محدودة داخل هرمز.
قد تحاول واشنطن السيطرة على جزر أو مواقع ساحلية أو منشآت عسكرية مرتبطة بإغلاق المضيق.
سيجري تقديم العملية باعتبارها حماية للملاحة وليست غزوا لإيران.
لكنها قد تدفع طهران إلى مهاجمة القواعد والمنشآت النفطية في الخليج. وعندها تصبح دول الخليج طرفا في الحرب حتى لو لم ترغب في ذلك.
السيناريو الرابع
انفجار إقليمي واسع.
هجوم كبير يقتل عددا مرتفعا من الجنود الأمريكيين، أو ضربة على منشأة نفطية خليجية، أو محاولة اغتيال القيادة الإيرانية قد تدفع الولايات المتحدة إلى توسيع الحرب.
في هذا السيناريو قد تقفز أسعار النفط إلى مستويات شديدة الارتفاع، ويتوقف جزء كبير من الغاز والأسمدة، وتدخل أوروبا وآسيا في موجة تضخم وركود.
هذا السيناريو أقل احتمالا من حرب الاستنزاف، لكنه الأعلى خطرا.
السيناريو الخامس
ضغط داخلي يفرض نهاية سياسية.
خسائر الجمهوريين المتوقعة وارتفاع الأسعار وانقسام الكونغرس قد تجبر ترامب على قبول تسوية أقل من أهدافه الأصلية.
في إسرائيل قد تؤدي الانتخابات إلى حكومة جديدة أكثر استعدادا للتنسيق مع واشنطن، أو إلى حكومة يمينية أشد اندفاعا نحو الحرب.
لذلك ستكون الفترة بين الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر والانتخابات الأمريكية في نوفمبر أخطر نافذة زمنية. قد يحاول كل طرف فرض واقع عسكري قبل تغير التوازن السياسي.
الخلاصة الاستراتيجية
إيران لا تحقق انتصارا عسكريا على الولايات المتحدة. لكنها نجحت حتى الآن في نقل المعركة من مجال التفوق العسكري الأمريكي إلى مجالات أكثر تعقيدا، مثل أسعار الوقود والتأمين والمخزونات والانتخابات والأسمدة والغذاء.
واشنطن تستطيع تدمير قدرات إيرانية كثيرة. لكنها لا تستطيع إجبار السوق على الشعور بالأمان بالقوة وحدها.
نتنياهو يحتاج إلى حرب تعيد له صورة رجل الأمن.
ترامب يحتاج إلى نهاية تخفض أسعار البنزين قبل انتخابات نوفمبر.
دول الخليج تريد حماية أمريكية من دون أن تتحول أراضيها إلى جبهة دائمة.
أوروبا تريد الاستغناء عن الغاز الروسي، لكنها تواجه نقصا في الغاز الخليجي.
الصين تريد تراجع الهيمنة الأمريكية، لكنها تحتاج إلى استمرار تدفق نفط الخليج.
لهذا لا يملك أي طرف حرية حركة كاملة.
المعركة الحقيقية ليست حول من يملك أقوى سلاح. بل حول من يستطيع الصمود مدة أطول أمام الكلفة الاقتصادية والسياسية.
الخطر الأكبر ليس أن يقرر ترامب غزو إيران في يوم واحد. الخطر هو أن تتراكم الضربات والردود والعمليات المحدودة حتى تجد الولايات المتحدة نفسها داخل حرب برية أو إقليمية لم تتخذ قرارا واضحا بخوضها.
هرمز هنا ليس مجرد ممر مائي.
إنه نقطة يلتقي فيها النفط والغاز والأسمدة والغذاء والتضخم والانتخابات والقوة العسكرية.
ومن يعتقد أن الأزمة تخص ناقلات النفط فقط لا يرى سوى الجزء الأول من المشهد.
































