تصعيد خطير في بحر البلطيق بعد إطلاق فرقاطة روسية شعلات نحو مروحية دنماركية

هيئة التحرير
Published 20 ساعة ago on 15 سبتمبر, 2026-0 views
فرقاطة عسكرية روسية تبحر في البحر

عرب 24

دخل التوتر العسكري بين روسيا ودول حلف شمال الأطلسي في منطقة بحر البلطيق مرحلة أكثر حساسية، بعدما أطلقت فرقاطة روسية شعلتين تحذيريتين باتجاه مروحية عسكرية دنماركية كانت تقوم بمهمة مراقبة وتصوير روتينية فوق المياه الدولية قبالة السواحل الدنماركية.

وقع الحادث الاثنين 14 سبتمبر 2026 جنوب مدينة غيدسر الدنماركية. ووفق القيادة العسكرية الدنماركية، كانت مروحية من طراز Fennec تابعة للقوات الجوية تقوم بتصوير الفرقاطة الروسية عندما أطلقت السفينة شعلتين باتجاهها، مرت إحداهما على مسافة قصيرة من المروحية. ولم تسجل إصابات أو أضرار.

ورغم أن الشعلات المستخدمة ليست صواريخ قتالية، فإن خطورة الحادث تكمن في المسافة القريبة التي مرت بها إحداها من المروحية وفي غياب أي اتصال لاسلكي أو تحذير مسبق، بحسب وزير الدفاع الدنماركي ييبه بروس.

وقال الوزير إن المروحية كانت تنفذ إجراء معتادا سبق للقوات الدنماركية أن قامت به مرات عديدة لتوثيق حركة السفن العسكرية الروسية التي تعبر المنطقة. وأكد أن إطلاق الشعلات جاء دون اتصال مسبق من السفينة الروسية.

كوبنهاغن تستدعي السفير الروسي

جاء رد الفعل الدنماركي سريعا. فقد استدعت وزارة الخارجية السفير الروسي لدى كوبنهاغن فلاديمير باربين للاحتجاج على الحادث.

واعتبرت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن الواقعة جزءا من سلوك روسي أكثر عدوانية تجاه أوروبا، وقالت إن موسكو تختبر دول حلف الناتو وتحاول زرع الخوف والانقسام بينها.

أما رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين فربطت الحادث بسلسلة أوسع من الأحداث الأمنية التي شهدتها المنطقة، واعتبرت أنها تختبر جاهزية الدول الأوروبية وقدرتها على الرد.

لكن كوبنهاغن اختارت حتى الآن عدم نقل الأزمة إلى مستوى المواجهة داخل حلف شمال الأطلسي.

وأوضح وزير الدفاع الدنماركي أن بلاده لا تسعى إلى إجراء مشاورات بموجب آليات الدفاع الجماعي للناتو، لأن الحادث لم يكن هجوما مباشرا على الأراضي الدنماركية. وهذا التفصيل مهم في قراءة التطورات بعيدا عن العناوين الإعلامية التي وصفت الواقعة بأنها هجوم روسي على الناتو.

موسكو تحمل الدنمارك المسؤولية

قدمت روسيا رواية مختلفة للحادث.

واتهم السفير الروسي في كوبنهاغن المروحيات العسكرية الدنماركية بالقيام بمناورات خطرة بالقرب من السفن الروسية، وقال إن موسكو سلمت الجانب الدنماركي مذكرة احتجاج وطالبته باتخاذ إجراءات لمنع تكرار مثل هذه الحوادث.

كما أشار إلى واقعة سابقة تعود إلى أغسطس 2025، قال فيها إن مروحية دنماركية حلقت على ارتفاع منخفض بالقرب من السفينة الروسية المضادة للغواصات «نائب الأميرال كولاكوف»، ما تسبب وفق الرواية الروسية في خطر اصطدام.

ولم يقدم الكرملين حتى الآن رواية تفصيلية عن حادث الاثنين. وقال المتحدث باسمه دميتري بيسكوف إنه لا يملك معلومات كافية للتعليق عليه.

لماذا بحر البلطيق بهذه الأهمية

لا يمكن فصل الحادث عن التحول الكبير الذي شهده بحر البلطيق منذ بداية الحرب الروسية في أوكرانيا عام 2022.

غيّر انضمام فنلندا والسويد إلى حلف شمال الأطلسي الخريطة الأمنية للمنطقة بشكل كبير. وأصبح معظم الساحل المحيط بالبحر تابعا لدول أعضاء في الناتو، بينما بقي لروسيا منفذان أساسيان عبر منطقة كالينينغراد ومحيط سان بطرسبورغ.

وتكتسب المضائق الدنماركية أهمية استراتيجية خاصة لأنها تمثل الممر البحري الرئيسي الذي يربط بحر البلطيق ببحر الشمال والمحيط الأطلسي. تمر عبرها سفن تجارية وعسكرية روسية، إضافة إلى ناقلات تنقل النفط الروسي.

لهذا أصبحت المنطقة واحدة من أكثر نقاط الاحتكاك المباشر بين القوات الروسية وقوات دول الناتو في أوروبا.

وسبق أن تحدثت المخابرات العسكرية الدنماركية عن حوادث شملت سفنا روسية أبحرت في مسارات تصادمية مع سفن دنماركية، إضافة إلى استخدام رادارات التتبع ضد سفن ومروحيات دنماركية وتوجيه أسلحة في اتجاهها. ونفت موسكو الاتهامات المتعلقة بهذه الحوادث.

اختبار للأعصاب وليس حربا

لا تكمن الخطورة الحقيقية في حادث المروحية في الشعلتين بحد ذاتهما، بل في المسافة التي باتت تفصل بين الاستعراض العسكري والحادث العسكري الحقيقي.

عندما تتحرك سفينة روسية ومروحية تابعة لدولة في الناتو على مسافة أمتار أو مئات الأمتار، فإن خطأ في التقدير أو رد فعل غير محسوب قد يحول واقعة محدودة إلى أزمة سياسية وعسكرية خلال دقائق.

تريد روسيا من جهتها إظهار أنها لن تقبل مراقبة قطعها البحرية من مسافات تعتبرها شديدة القرب. أما الدنمارك فتصر على أن عمليات المراقبة التي تقوم بها قانونية وستستمر.

وهنا تبدأ لعبة اختبار الحدود. كل طرف يريد أن يعرف إلى أي مدى يستطيع الاقتراب من الطرف الآخر دون الوصول إلى المواجهة المباشرة.

لا يعني الحادث أن حربا بين روسيا والناتو أصبحت وشيكة، ولا يعني أن موسكو هاجمت الحلف عسكريا. لكنه يقدم صورة واضحة عن البيئة الأمنية الجديدة في شمال أوروبا، حيث تعمل القوات الروسية وقوات الناتو على مسافات قريبة في ظل انعدام شبه كامل للثقة.

وسط هذه المعادلة، قد لا يكون التحدي الأكبر قرارا سياسيا ببدء حرب، بل مجرد خطأ واحد في بحر البلطيق.

Breaking News
error: Content is protected !!