برلين – تحليل معمق (عن صحيفة taz)
قدم وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس، “المفهوم الاستراتيجي” الأول من نوعه للجيش الألماني (Bundeswehr)، وهو وثيقة تهدف لرسم معالم القوة العسكرية الألمانية للعقود القادمة. ورغم الوعود بـ “نهضة شاملة”، إلا أن التقرير يكشف عن تناقضات استراتيجية ومالية قد تجعل من هذه الخطة “مجرد حبر على ورق”.
1. الهدف الأسمى: “أقوى جيش تقليدي في أوروبا”
تتبنى الاستراتيجية الجديدة طموحاً سياسياً كبيراً كان يُنسب سابقاً لليمين المحافظ (فريدريش ميرتس):
- التفوق العددي والتقني: تهدف الخطة لجعل ألمانيا القوة التقليدية الضاربة الأولى في القارة الأوروبية، متجاوزة حلفاءها التقليديين (باستثناء القوة النووية الفرنسية).
- الانتقاد: ترى الصحيفة أن هذا الطموح “يفتقر للحس التاريخي”؛ إذ إن سعي ألمانيا لامتلاك أقوى جهاز عسكري قد يُفهم كرسالة تهديد للجيران بدلاً من رسالة سلام، مما قد يشعل سباق تسلح أوروبي داخلي.
2. معضلة “النسيان التاريخي”: دروس أفغانستان المفقودة
ينتقد المحللون في “taz” غياب “المراجعة الذاتية” في الوثيقة الجديدة:
- فشل “قوة التدخل”: في أوائل الألفية، تم تحويل الجيش الألماني إلى “قوة تدخل عالمية” رشيقة، وهو ما جرّ البلاد إلى حرب أفغانستان التي كانت الأغلى والأكثر دموية وانتهت بفشل كامل لجميع الأهداف.
- التذبذب الاستراتيجي: الوثيقة لا تجيب بوضوح على السؤال الجوهري: هل يجب أن يركز الجيش على “الدفاع عن الوطن والتحالف” (الناتو) أم العودة للمغامرات العسكرية الخارجية في مناطق مثل مضيق هرمز أو شمال الأطلسي؟ الخطة تحاول فعل “كل شيء” في وقت واحد.
3. “الثقب الأسود” المالي: أرقام خيالية وميزانيات مأزومة
تطرح الاستراتيجية تحديات مالية هائلة قد تؤدي لصدام سياسي داخل الحكومة:
- ما بعد 2028: مع نفاذ “الصندوق الخاص” (100 مليار يورو)، سيحتاج الجيش إلى ميزانية سنوية لا تقل عن 85 مليار يورو (بزيادة 30 مليار عن الحاضر).
- شبح “ترامب”: إذا نُفذ مطلب دونالد ترامب بإنفاق 5% من الناتج المحلي على الدفاع، فستحتاج ألمانيا لتخصيص 162 مليار يورو سنوياً، وهو مبلغ يراه الاقتصاديون “مستحيلاً” دون تدمير نظام الرفاه الاجتماعي والخدمات المدنية.
4. “البيروقراطية” الألمانية: العائق الأكبر من العدو الخارجي
تشير التعليقات والتحقيقات المرتبطة بالاستراتيجية إلى أن المشكلة ليست في “نقص الموارد” بقدر ما هي في “سوء الإدارة”:
- المقارنة مع اليابان: يمتلك الجيش الياباني 240 ألف جندي (مقابل 186 ألف في ألمانيا) وثلاث حاملات طائرات، ومع ذلك فإن ميزانيته تبلغ نصف ميزانية الجيش الألماني.
- الهدر المالي: يُوصف الجيش الألماني بأنه “وحش بيروقراطي” يحرق المليارات في الإجراءات الإدارية المعقدة. وقد وصف ديوان المحاسبة الألماني إصلاحات بيستوريوس الإدارية بأنها “تجميلية” ولا تلمس جوهر الترهل الوظيفي في وزارة الدفاع.
5. ضبابية الرؤية الجيوسياسية
تنتقد الصحيفة صياغة الوثيقة بعبارات “مطاطة” و”غامضة”:
- التبعية لواشنطن: تكتفي الاستراتيجية بالقول إن ألمانيا يجب أن تكون “حليفاً عسكرياً أقوى” للولايات المتحدة، دون تحديد هوية ألمانيا الاستراتيجية المستقلة في عالم متعدد الأقطاب.
- غياب الحوار المجتمعي: يتم تمرير هذه التحولات العسكرية الكبرى والإنفاق الملياري دون نقاش حقيقي حول “دور ألمانيا في العالم” وما إذا كان تعزيز “المذهب العسكري” هو الطريق الصحيح لضمان أمن الأجيال القادمة.
الخلاصة:
يرى المحللون أن استراتيجية بيستوريوس هي محاولة “للتدبير المؤقت” وسط ضغوط دولية ومحلية، لكنها تفتقر للأساس المالي والوضوح الأخلاقي. إن السعي لبناء “أقوى جيش” في ظل هيكل بيروقراطي متهالك وميزانية مهددة بالعجز، قد ينتهي بخلق “عملاق من طين” يستهلك موارد الدولة دون توفير أمن حقيقي.
تحليل فريق المتابعة الدولية – جريدة عرب 24
































