نعي “الغرب” في دافوس: من “أنا برليني” لكينيدي إلى “لن أنسى” لترامب.. قراءة في سقوط النظام العالمي

هيئة التحرير
Published أسبوعين ago on 22 يناير, 2026-1 views
نعي “الغرب” في دافوس: من “أنا برليني” لكينيدي إلى “لن أنسى” لترامب.. قراءة في سقوط النظام العالمي

في السادس والعشرين من يونيو 1963، وقف الرئيس الأمريكي جون كينيدي أمام جدار برلين ليطلق عبارته الخالدة: “أنا برليني”، معلناً بذلك تدشين “التحالف الأطلسي” ككتلة أخلاقية وسياسية موحدة، وتعهدٍ أمريكي أبدي بحماية القيم الليبرالية وحلفائها.

اليوم، وبعد أكثر من ستين عاماً، وقف الرئيس دونالد ترامب في دافوس بسويسرا، ولكن ليس ليرمم هذا البنيان، بل ليعلن بوضوح لا يقبل التأويل عن انتهاء الصلاحية التاريخية للغرب كما عرفناه. خطاب دافوس 2026 لم يكن مجرد استعراض للقوة، بل هو – وبكل معايير العلوم السياسية – الخطاب الأكثر مفصلية وخطورة لأي رئيس أمريكي منذ خطاب كينيدي. الفارق الجوهري أن كينيدي كان يضع حجر الأساس، بينما ترامب جاء ليمسك بمعول الهدم.

من الدبلوماسية إلى “البلطجة السياسية”

ما شهدته قاعة المؤتمرات في دافوس يتجاوز التوصيف التقليدي للخلافات بين الحلفاء. نحن أمام تحول في “العقيدة السياسية” الأمريكية من الشراكة الاستراتيجية إلى علاقة “التابع والمتبوع”. عندما يخاطب رئيس الولايات المتحدة قادة أوروبا – الذين يشكلون العمود الفقري للناتو – بلغة التقريع الشخصي، ويذكرهم بأن رفاهية سويسرا، ولغة ألمانيا، واقتصاد كندا، كلها “منح أمريكية” يمكن استردادها، فهو بذلك يجرد القادة الأوروبيين من شرعيتهم أمام شعوبهم.

المشهد السريالي الذي سرده ترامب حول إخضاع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في ثلاث دقائق عبر التهديد برسوم جمركية عقابية، يؤسس لقاعدة تعامل جديدة: لا تفاوض، بل إملاءات. لقد تحول القادة الأوروبيون في العرف الترامبي الجديد من “شركاء” إلى “موظفين” تدار علاقتهم بواشنطن عبر مبدأ الثواب والعقاب الفوري.

غرينلاند: الانتقال من تحالف القيم إلى “صفقة الحماية”

لعل أخطر ما ورد في هذا الخطاب، والذي سيتوقف عنده المؤرخون طويلاً، هو “الإنذار النهائي” المتعلق بضم غرينلاند. عندما يقول ترامب: “أمامكم خيارين: الموافقة وسنكون ممتنين، أو الرفض ولن ننسى ذلك لكم”، فهو ينسف المادة الخامسة من ميثاق الناتو عملياً.

لقد تحول حلف الناتو من مظلة أمنية جماعية تستند إلى قيم مشتركة، إلى “شركة حماية” خاصة (Racketeering) تطلب أصولاً عقارية (غرينلاند) كقربان للرضا. عبارة “لن ننسى ذلك لكم” هي تهديد وجودي، يعني في القاموس الاستراتيجي رفع الغطاء الأمني عن أوروبا وتركها عارية أمام الدب الروسي في اللحظة التي ترفض فيها دفع الجزية.

سقوط “القانون الدولي” والمنظور العربي

في خضم هذا الزلزال، يبدو حديث ترامب عن استبدال المؤسسات الدولية بكيانات بديلة (مثل “مجلس السلام” بدلاً من مجلس الأمن) وتصرفاته في فنزويلا (اختطاف رئيس دولة)، بمثابة إعلان وفاة رسمي للقانون الدولي. العالم وفق رؤية “ترامب 2026” هو غابة يحكمها الأقوى، ولا مكان فيها للسيادة الوطنية إلا بقدر ما تملك من قوة الردع.

وهنا، لا يمكننا إلا أن نتوقف بسخرية مريرة أمام “البكائيات” التي أطلقها رئيس الوزراء الكندي وغيره من القادة الغربيين حول “نهاية النظام العالمي المبني على القواعد”. بالنسبة لنا في العالم العربي، ومراقبي الجنوب العالمي، فإن هذا النظام الذي ينعاه الغرب اليوم لم يكن يوماً إلا “كذبة كبرى”.

إن شريعة الغاب التي يخشى الأوروبيون والكنديون منها اليوم، هي الواقع الذي عاشته منطقتنا لعقود، من غزو العراق إلى مأساة سوريا، وصولاً إلى حرب الإبادة في غزة. الفارق الوحيد اليوم هو أن “المعايير المزدوجة” قد سقطت، وأن الغرب الذي كان يمارس القوة الغاشمة علينا تحت غطاء “القيم”، بات يتذوق طعم هذه القوة من حليفه الأكبر. صدمتهم ليست نابعة من غياب العدالة، بل من تحولهم من خانة “السيد” إلى خانة “الضحية”.

الرابح الأكبر: موسكو وبكين

استراتيجياً، يقدم ترامب بـ”واقعيته الفجة” أكبر هدية جيوسياسية لروسيا والصين. بتمزيقه للقناع الأخلاقي الغربي، وتكريسه لمنطق “الاستحواذ بالقوة”، يمنح واشنطن الشرعية لأي تحرك مماثل قد تقدم عليه موسكو في شرق أوروبا أو بكين في تايوان.

إذا كانت “قائدة العالم الحر” تختطف الرؤساء وتطالب بضم الأراضي بالإكراه، فقد سقطت الحجة الأخلاقية الغربية للأبد. هذا الخطاب يحرر بوتين وشي جين بينغ من أي عبء قيمي، ويثبت سرديتهم القائلة بأن الليبرالية الغربية لم تكن سوى أداة هيمنة نفاقية.

خاتمة: إلى المجهول

نحن أمام لحظة مفصلية تنهي حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية. أوروبا اليوم تقف يتيمة، عارية، ومطالبة بدفع فواتير باهظة لضمان بقائها. السؤال لم يعد “كيف نتعامل مع أمريكا؟”، بل “كيف ننجو في عالم بلا أمريكا الحليفة؟”.

سيسجل التاريخ أن خطاب دافوس 2026 كان اللحظة التي أُسدل فيها الستار على “الغرب” كمشروع سياسي وحضاري موحد. وكما بدأ هذا العصر بكلمات كينيدي في برلين، فقد انتهى بتهديدات ترامب في جبال الألب.

Breaking News
error: Content is protected !!