تقرير موسّع – عرب 24
تشهد الولايات المتحدة مرحلة سياسية متوترة، تتأرجح بين صعود تيار اليمين بقيادة دونالد ترامب، ومحاولات الجناح التقدمي داخل الحزب الديمقراطي لإعادة تعريف هوية البلاد. في قلب هذا المشهد يظهر اسم زهران ممداني، السياسي الشاب ذو الأصول المسلمة، الذي بات حديث الإعلام بعد تصدره السباق نحو رئاسة بلدية نيويورك، أكبر مدينة في أمريكا وأكثرها تأثيراً.
وُلد زهران كوامي ممداني يوم 18 أكتوبر/تشرين الأول 1991 في العاصمة الأوغندية كمبالا، وانتقل مع عائلته وهو في سن الخامسة إلى مدينة كيب تاون في جنوب أفريقيا، ثم إلى مدينة نيويورك الأميركية بعد عامين.
هو نجل الأكاديمي الهندي محمود ممداني، أستاذ العلوم السياسية في جامعة كولومبيا، والمخرجة الشهيرة ميرا ناير، صاحبة أفلام “ميسيسيبي ماسالا” و” زفاف في موسم الأمطار”.
وتأثر ممداني بتجربة والده الفكرية وأعمال والدته الفنية، ليوجّه لاحقا بوصلته نحو القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تمس الفئات المهمشة.
نال ممداني الجنسية الأميركية عام 2018، وتزوج في عام 2025 من الفنانة التشكيلية السورية راما دواجي.
عام 2020 فاز بعضوية مجلس ولاية نيويورك، ليصبح أحد الأصوات التقدمية الأكثر تأثيراً في صفوف الشباب. عُرف بخطابه القريب من الناس، وبمواقفه الداعمة لحقوق العمال والمستأجرين والمهاجرين.
برنامج انتخابي يعبّر عن المدينة
حملته لرئاسة بلدية نيويورك لا تقوم على الوعود الكبيرة بقدر ما تركز على التفاصيل اليومية.
ممداني يتحدث عن جعل المدينة أكثر عدلاً في توزيع الفرص، وكبح أسعار الإيجارات، وتحسين النقل العام، وتوسيع الرعاية الصحية والتعليم المجاني.
يرى أن إدارة المدينة “يجب أن تخدم العاملين وليس أصحاب الثروات”، في إشارة إلى الانتقادات التي يوجهها لرؤساء بلديات سابقين ركزوا على جذب الاستثمارات دون معالجة مشكلات الفقر.
دعم شعبي ورسالة سياسية
يحظى ممداني بشعبية كبيرة بين الشباب وسكان الأحياء الفقيرة والمهاجرين، الذين يرون فيه صوتاً حقيقياً يمثلهم. استطلاعات الرأي الأخيرة وضعته في الصدارة متقدماً على منافسيه من الحزبين الديمقراطي والجمهوري.
لكن دعمه لا يأتي من الطبقات المهمشة فقط، فحتى بعض رجال الأعمال في المدينة يرون فيه فرصة لتجديد الحياة السياسية، بعدما تراجع ثقة الناس في السياسيين التقليديين.
التحدي الأكبر: مواجهة ترامب
صعود زهران ممداني يتزامن مع استعداد دونالد ترامب لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، وهو ما يجعل الصراع بين الرجلين غير مباشر لكنه واضح.
ترامب يستند إلى خطاب الهوية القومية ويهاجم ما يسميه “اليسار المتطرف في المدن الزرقاء”، بينما يطرح ممداني رؤية معاكسة تماماً، تقوم على فكرة أن قوة أمريكا تكمن في تنوعها، لا في الخوف من المختلفين.
في تصريحات له، قال ممداني: “نحن أبناء هذه البلاد مثل غيرنا. لسنا ضيوفاً على الديمقراطية الأميركية، بل جزء منها.”
خطاب ممداني أثار حماس جيل جديد من الناخبين الشباب الذين يرون فيه نموذجاً يعبر عنهم في بلد لا يزال الجدل فيه قائماً حول الهجرة والدين والهوية.
نيويورك ساحة اختبار لأمريكا
نيويورك لم تكن يوماً مجرد مدينة، بل مرآة تعكس تحولات أمريكا. فهي الأكثر تنوعاً، والأكثر انقساماً في الوقت ذاته.
أزمة الإسكان، ارتفاع الأسعار، تراجع الخدمات، ومشاكل الأمن كلها ملفات شائكة تنتظر من يتولاها. ممداني يقول إن الحل لا يكون بـ“الوعود الفارغة”، بل بإشراك المواطنين في القرار ومحاسبة المؤسسات الكبرى.
مؤيدوه يرونه تجسيداً لصورة أمريكا الجديدة: متعددة الأعراق، تقدمية، وشجاعة في مواجهة العنصرية.
أما خصومه فيتهمونه بالمثالية وبتبني أفكار يسارية “غير واقعية” قد تزيد العبء على ميزانية المدينة.
ماذا يعني فوزه؟
إذا فاز زهران ممداني برئاسة بلدية نيويورك، فسيكون أول مسلم من أصول عربية يتولى هذا المنصب في التاريخ الأميركي، وهو ما سيحمل دلالات رمزية هائلة.
فوزه سيشكل دفعة قوية للجناح التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، ويمنح الأقليات صوتاً أقوى في الساحة السياسية. كما سيبعث برسالة مفادها أن الناخب الأميركي أصبح أكثر انفتاحاً على التنوع الثقافي والديني.
في المقابل، سيعتبر اليمين هذا الفوز دليلاً على “هيمنة اليسار”، وقد يستخدمه ترامب لتأجيج خطابه الانتخابي القائم على الخوف من التغيير الاجتماعي.
انعكاس على الانتخابات الرئاسية
يرى محللون أن فوز ممداني سيؤثر في اتجاهات التصويت في المدن الكبرى، خصوصاً بين فئة الشباب والمهاجرين الذين يشكلون كتلة انتخابية ضخمة.
نجاحه سيمنح الديمقراطيين زخماً جديداً، وقد يجبر قيادات الحزب على تبني خطاب أقرب إلى قضايا العدالة الاجتماعية بدلاً من الاكتفاء بالشعارات الوسطية.
أما ترامب وأنصاره فسيسعون لاستغلال فوزه لتصوير الديمقراطيين كحزب “منفصل عن القيم الأميركية التقليدية”، ما يزيد من حدة الاستقطاب بين المدن الليبرالية والولايات المحافظة.
أكثر من انتخابات
قصة زهران ممداني تتجاوز السياسة. إنها قصة عن تحوّل عميق في المجتمع الأميركي، وعن جيل جديد لا يخشى من إعلان هويته ولا من المطالبة بمكانه في الصف الأول.
هو لا يخوض معركة ضد ترامب فقط، بل ضد فكرة أن السياسة حكر على نخبة بيضاء أو طبقة ثرية.
سواء فاز أو خسر، فقد أصبح رمزاً لتحول حقيقي في أمريكا المعاصرة: بلد يواجه ماضيه العنصري، ويحاول أن يرسم مستقبلاً أكثر شمولاً وعدلاً.
































