قلق واسع من أزمة جديدة في سلاسل التوريد بعد تأميم شركة “Nexperia” وقيود التصدير المتبادلة بين بكين وواشنطن
تعيش صناعة السيارات الأوروبية حالة من القلق الشديد بعد تصاعد النزاع بين هولندا والصين حول شركة الرقائق الإلكترونية Nexperia، المملوكة لمجموعة Wingtech الصينية.
الأزمة تهدد بعودة مشاهد توقف خطوط الإنتاج التي عرفها العالم خلال جائحة كورونا، وسط تحذيرات من تكرار أزمة نقص الرقائق العالمية عام 2022.
خلفية الأزمة
في نهاية سبتمبر 2025، فعّلت الحكومة الهولندية قانونًا يعود لعام 1952 لتأميم شركة Nexperia التي يقع مقرها في أيندهوفن.
وجاء القرار بعد مخاوف من قيام الإدارة الصينية للشركة بنقل تقنيات إنتاج حساسة ومعدات تصنيع إلى خارج الأراضي الهولندية.
بعد يوم واحد فقط، أعلنت الولايات المتحدة توسيع قيودها التصديرية على مجموعة Wingtech الصينية وفروعها، وهو ما أثار ردًّا سريعًا من بكين التي فرضت حظرًا على تصدير منتجات Nexperia المصنّعة في الصين إلى الخارج.
بهذه الخطوة، انقطعت فعليًا الإمدادات الحيوية من الرقائق إلى أوروبا.
ضربة مباشرة لصناعة السيارات
شركات السيارات الأوروبية تعتمد بشكل كبير على رقائق Nexperia، التي تُستخدم في معظم أنظمة السيارات الحديثة، من الوسائد الهوائية إلى أنظمة القيادة والتحكم.
السيارة التقليدية تحتوي على نحو 500 شريحة إلكترونية من إنتاج الشركة، بينما تحتاج السيارات الكهربائية إلى ما يصل إلى ألف شريحة.
وقال مسؤول في قطاع السيارات الأوروبي لصحيفة بوليتيكو:
“الكثير من الموردين لا يملكون مخزونًا كافيًا من هذه الشرائح. سنتعرض قريبًا لتوقفات في الإنتاج حول العالم. قطاع السيارات في قلب العاصفة.”
تحذيرات مبكرة
في 9 أكتوبر، أبلغت Nexperia عملاءها بوجود “تطور غير متوقع قد يؤثر على توفر بعض المنتجات”، في ما عُرف بـ”إعلان القوة القاهرة”.
الرسالة أثارت حالة طوارئ في أوساط الشركات المصنعة التي سارعت لتأمين ما تبقى من الرقائق في السوق.
وقال أحد المطلعين على الصناعة:
“الأمر يشبه فترة الجائحة عندما هرع الناس لشراء ورق التواليت، الآن الجميع يندفع لشراء الشرائح.”
فشل خطط الاتحاد الأوروبي في تقليل الاعتماد
بعد أزمة 2022، أطلق الاتحاد الأوروبي قانون الرقائق الأوروبي (EU Chips Act) لتعزيز إنتاج أشباه الموصلات داخل أوروبا وتقليل الاعتماد على آسيا والولايات المتحدة.
لكن بعد ثلاث سنوات، ما زالت القارة تعتمد بشكل شبه كامل على الواردات من الصين وتايوان وكوريا الجنوبية.
ويؤكد خبراء أن الاتحاد لم يحقق سوى جزء محدود من أهدافه، نتيجة بطء تنفيذ المشاريع ونقص الاستثمارات، ما جعل أوروبا مجددًا رهينة للصراعات الجيوسياسية.
أولوية في بروكسل
المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية باولا بينيو قالت إن أزمة الرقائق أصبحت “من أولويات الاتحاد”، مشيرة إلى أهميتها في “التحول الطاقي والرقمي في أوروبا”.
وأضافت أن المفوض الأوروبي للصناعة ستيفان سيجورنيه عقد اجتماعات عاجلة مع قادة الصناعات لمتابعة الأزمة.
كما نُقل الموقف الأوروبي إلى محادثة هاتفية بين مفوض التجارة الأوروبي ماروش شيفوفيتش ونظيره الصيني وانغ وينتاو، استعدادًا لزيارة مرتقبة لمسؤولين صينيين إلى بروكسل لبحث القيود التصديرية.
قلق متزايد في العواصم الأوروبية
في برلين وباريس وروما، يتحدث مسؤولون صناعيون عن “كارثة محتملة” إذا لم يتم التوصل إلى حل سريع.
جمعية مصنّعي السيارات الأوروبية ACEA أصدرت بيانًا قالت فيه إنها “تشعر بقلق عميق من احتمال حدوث اضطرابات كبيرة في الإنتاج” إذا لم تُستأنف إمدادات Nexperia قريبًا.
تداعيات أوسع
تكشف الأزمة هشاشة سلاسل التوريد الأوروبية في القطاعات الحيوية.
فعلى الرغم من أن رقائق Nexperia ليست من الجيل الأكثر تقدمًا، إلا أنها ضرورية لصناعة السيارات والأجهزة الطبية وأنظمة الطاقة.
كما أن هيمنة الصين على معادن الأرض النادرة، التي تُستخدم في المحركات الكهربائية والمغناطيسات الصناعية، تمنحها نفوذًا إضافيًا على الأسواق الأوروبية.
محللون اقتصاديون يحذرون من أن استمرار الأزمة قد يؤخر خطط الاتحاد الأوروبي للتحول نحو السيارات الكهربائية ويؤثر على أهدافه المناخية، فضلًا عن تهديد آلاف الوظائف في قطاع الصناعة.
التأثير على الاقتصاد الألماني
تعد ألمانيا الأكثر تضررًا من أزمة Nexperia داخل الاتحاد الأوروبي، نظراً لاعتماد اقتصادها الصناعي الكبير على سلاسل توريد دقيقة ومعقدة.
قطاع السيارات وحده يمثل أكثر من 5% من الناتج المحلي الإجمالي ويوظف مئات الآلاف من العمال.
شركات مثل فولكسفاغن، بي إم دبليو، ومرسيدس بنز تعتمد على رقائق الشركة الهولندية في أنظمة الأمان والإلكترونيات الدقيقة.
أي انقطاع طويل في الإمدادات يعني توقف خطوط الإنتاج وتأثيرًا مباشرًا على الصادرات.
يحذر خبراء في برلين من أن استمرار الأزمة قد يخصم حتى نصف نقطة مئوية من النمو الاقتصادي السنوي، في وقت يعاني فيه الاقتصاد من تباطؤ الطلب الخارجي وارتفاع أسعار الطاقة.
كما أن الخلاف بين هولندا والصين يضع برلين أمام معضلة سياسية بين دعم الحليف الأوروبي والحفاظ على علاقاتها التجارية مع بكين، التي تعد من أكبر أسواق السيارات الألمانية.
رأي خبير
يقول الخبير الاقتصادي الألماني هانس برونر من معهد البحوث الاقتصادية في ميونيخ إن أزمة Nexperia “تكشف هشاشة النموذج الصناعي الألماني الذي بُني على استقرار سلاسل التوريد العالمية”.
ويضيف برونر:
“الاعتماد الزائد على مكونات حيوية من خارج أوروبا يجعل الاقتصاد الألماني عرضة لكل أزمة جيوسياسية. إن لم تُسرّع الحكومة في تنويع مصادر التوريد والاستثمار في إنتاج الرقائق محلياً، فقد نواجه تباطؤاً صناعياً دائماً.”
ويختتم بالقول إن ألمانيا “تحتاج إلى استراتيجية حقيقية للأمن الاقتصادي، لا بيانات سياسية مؤقتة”، محذراً من أن الأزمات التكنولوجية المقبلة “قد تكون أعمق وأطول من أزمة الطاقة”.































