تقرير – عرب 24
في خطوة مثيرة للجدل، أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس أنه لا يرى “أي مبرر بعد الآن لتأجيل إعادة السوريين إلى بلادهم”، مؤكداً عزمه على استئناف الترحيلات نحو سوريا بعد أكثر من عقد من التجميد. ميرتس قال خلال زيارته إلى مدينة هوسوم شمال البلاد إن “الحرب في سوريا انتهت، ولا توجد أسباب تمنع العودة أو الترحيل”، مضيفاً أنه وجّه دعوة رسمية للرئيس السوري الانتقالي أحمد الشّراع لزيارة ألمانيا لمناقشة الملف بشكل مباشر.
تحول جذري في سياسة اللجوء
هذا الموقف يمثل تحوّلاً واضحاً في السياسة الألمانية تجاه اللاجئين السوريين، إذ كانت عمليات الترحيل مجمّدة منذ عام 2012 بسبب الأوضاع الأمنية.
ميرتس قال إنه يأمل أن يعود “قسم كبير من السوريين طوعاً للمشاركة في إعادة إعمار وطنهم”، لكنه شدد على أن “من يرفض العودة رغم انتهاء أسباب اللجوء يمكن ترحيله قريباً بشكل طبيعي”.
وفقاً لبيانات وزارة الداخلية، يعيش في ألمانيا نحو 951 ألف سوري، بينهم حوالي 920 شخصاً أصبحوا ملزمين قانونياً بمغادرة البلاد دون تصاريح إقامة. الحكومة أعلنت أن الأولوية في الترحيل ستُمنح لمن صدرت بحقهم أحكام جنائية أو يشكلون خطراً أمنياً.
خلاف داخل الحكومة والاتحاد
تصريحات ميرتس جاءت بعد جدل أثاره وزير الخارجية يوهان فادهفول، الذي زار مؤخراً ضواحي دمشق المدمّرة وشكك في إمكانية عودة أعداد كبيرة من اللاجئين قريباً، قائلاً إن “الناس هنا بالكاد يستطيعون العيش بكرامة”.
موقف الوزير قوبل بانتقادات من داخل حزبه “الاتحاد الديمقراطي المسيحي”، حيث اعتبر بعض القياديين أن تصريحاته “تقلل من جدية خطط الحكومة”. لكن ميرتس ردّ بالقول إن “من دون عودة هؤلاء الشباب، لن ينهض بلدهم مجدداً”.
من جانبه، أشار وزير الداخلية ألكسندر دوبرينت إلى أن اتفاقات الترحيل إلى سوريا “قيد الإعداد”، مؤكداً أنه بدأ بالفعل تنفيذ ترحيلات مماثلة إلى أفغانستان، وأن الخطوة السورية “تندرج ضمن التزامات الائتلاف الحاكم”.
أصوات مؤيدة ومعارضة
التيار المحافظ داخل الاتحاد يرى أن الوقت قد حان لإنهاء “اللجوء الدائم”، ويؤكد أن إعادة اللاجئين تساهم في تخفيف الضغط عن المدن الألمانية التي تواجه أزمة سكن حادة.
في المقابل، انتقدت قوى يسارية ومنظمات إنسانية هذا التوجه بشدة، معتبرة أن سوريا ما زالت بلداً غير آمن وأن أي ترحيل قسري “يخالف القانون الدولي الإنساني”.
الاشتراكي الديمقراطي ماتّيوس ميرش دافع عن وزير الخارجية فادهفول، وقال إن “الإشارة إلى معاناة السوريين في الداخل أمر مشروع”، لكنه أضاف أن الحكومة متمسكة بترحيل من ارتكب جرائم خطيرة.
سوريا في مرحلة جديدة
الملف السوري عاد إلى الواجهة بعد سقوط نظام بشار الأسد قبل عام على يد تحالف قادته ميليشيا “هيئة تحرير الشام” بزعامة أحمد الشّراع، الذي أصبح رئيساً انتقالياً ويتبنى خطاباً أكثر انفتاحاً تجاه الغرب.
مصادر سياسية ألمانية ترى أن هذا التطور يفتح الباب أمام تعاون محدود بين برلين ودمشق الجديدة في ملف العودة، وربما يمهد لاحقاً لرفع جزئي للعقوبات وإعادة العلاقات الدبلوماسية.
بين الإنسانية والسياسة
خطوة ميرتس تأتي في وقت يواجه فيه ضغوطاً داخلية مع تصاعد شعبية اليمين المتطرف. ويرى مراقبون أن تصريحات المستشار تسعى إلى استعادة الناخبين المحافظين الذين انصرفوا نحو حزب “البديل من أجل ألمانيا”.
لكن منتقديه يحذرون من أن استخدام ملف اللاجئين كورقة انتخابية سيؤدي إلى توتر اجتماعي أكبر داخل البلاد، ويقوّض سمعة ألمانيا كدولة لجوء إنساني.
ختام
بين دعوة “العودة الطوعية” وتهديد “الترحيل القسري”، تبدو ألمانيا أمام اختبار جديد بين مقتضيات الأمن والسياسة من جهة، والتزاماتها الإنسانية من جهة أخرى.
قرار ميرتس يفتح مرحلة جديدة في علاقة برلين باللاجئين السوريين، وربما في علاقتها بدمشق نفسها. ويبقى السؤال الأهم: هل تتحوّل “العودة إلى سوريا” إلى واقع سياسي فعلي، أم تبقى مجرد ورقة ضغط في موسم انتخابي ألماني مضطرب؟































