عرب 24 ألمانيا
في خضم الديناميكية غير المسبوقة التي تشهدها قضية الصحراء المغربية، والاعترافات الدولية المتوالية بمغربية الأقاليم الجنوبية، تحاول بعض الأصوات المعاكسة للتيار استغلال ملف “إدارة المجال الجوي” للتشويش على الشراكة الاستراتيجية المتينة بين الرباط ومدريد. إلا أن القراءة الهادئة والمعمقة لحيثيات هذا الملف تؤكد أنه ليس سوى “تفصيل تقني” في طريقه للحسم، كتحصيل حاصل للواقع السياسي والسيادي الجديد.
إن استكمال المغرب لسيادته على أجوائه الجنوبية ليس موضع تفاوض سياسي، بل هو مسار إجرائي يسير وفق ضوابط دولية، وهو ما أكدته تحليلات الخبراء العارفين بخبايا العلاقات المغربية الإسبانية، وعلى رأسهم الدكتور نبيل دريوش، في مداخلته الأخيرة على قناة “دوتشيه فيله” (DW) الألمانية.
ملف تقني موروث عن الحقبة الاستعمارية
خلافاً لما تروجه الدعاية المناوئة التي تحاول تصوير الأمر كـ “رفض” إسباني لتسليم الأجواء، فإن الواقع أعمق من ذلك. لقد أوضح الدكتور دريوش أن هذا الملف في عمقه “تقني وليس سياسياً آنياً”. فاستمرار إدارة المراقبة الجوية المدنية من مركز جزر الكناري هو وضع موروث عن سبعينيات القرن الماضي، فرضته ظروف لوجستية آنذاك، ويخضع لخرائط منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) التي لا تتطابق بالضرورة مع الحدود السياسية للدول.
إن المغرب، المؤمن بشرعية قضيته، يتعامل مع هذا الإرث التقني بحكمة الدولة العريقة، مفضلاً تفكيكه عبر القنوات المؤسساتية الهادئة بدلاً من الضجيج الإعلامي.
السيادة الميدانية: الواقع الذي يسبق الإجراءات
ما يجهله الكثيرون، وكشف عنه الدكتور دريوش في مداخلته المهمة، هو أن المغرب يمارس سيادته الفعلية على أجواء صحرائه منذ عقود. فقد أكد الخبير أن المغرب “كان يدبر هذا المجال الجوي عسكرياً طيلة الخمسين سنة الماضية”.
أكثر من ذلك، وفي إطار خارطة الطريق الجديدة بين البلدين (أبريل 2022)، شرع المغرب فعلياً في تسلم زمام الأمور مدنياً. ويشير دريوش إلى معطى بالغ الأهمية: “المغرب يدبر حالياً حوالي 20% من هذا المجال الجوي” عبر لجنة ثنائية مشتركة تعمل بصمت وفعالية بعيداً عن الأضواء. هذا يؤكد أن عملية نقل السلطة الجوية جارية بالفعل، وهي مسألة وقت وإجراءات لكي تكتمل بنسبة 100%.
التناغم الاستراتيجي يفرض الحسم
من الناحية الجيوسياسية، يبدو من السذاجة الاعتقاد بأن إسبانيا، التي اتخذت القرار التاريخي والشجاع بدعم مبادرة الحكم الذاتي كحل وحيد وواقعي للنزاع، وقامت ببناء شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد مع المغرب، ستعرقل ملفاً ذا طبيعة تقنية.
وكما لمح الدكتور دريوش، فإنه من “التناقض” أن تعترف مدريد بالسيادة المغربية سياسياً، وتتردد في ترجمتها تقنياً. إن المصالح العليا لإسبانيا اليوم أصبحت مرتبطة عضوياً بالمغرب، مما يجعل الحسم النهائي لملف الأجواء مجرد “مسألة وقت” لملائمة الوضع التقني مع الواقع السياسي الثابت.
تشويش بلا تأثير
إن الأصوات التي ترتفع داخل إسبانيا بين الفينة والأخرى لإثارة هذا الموضوع ليست سوى “فقاعات” للاستهلاك السياسي الداخلي، ومحاولات يائسة من أطراف سياسية لضرب حكومة بيدرو سانشيز، وليست تعبيراً عن موقف الدولة الإسبانية العميقة التي حسمت خياراتها.
أما محاولات أطراف إقليمية، وتحديداً النظام الجزائري، لاستعمال ورقة الغاز للضغط على مدريد للتراجع عن موقفها، فقد أثبتت فشلها الذريع. وكما أكد دريوش، فقد ضاق هامش المناورة على خصوم الوحدة الترابية، لأن مدريد، مثلها مثل عواصم عالمية كبرى، اختارت منطق المستقبل والشراكة الموثوقة مع المملكة المغربية.
ختاماً، يمكن القول إن ملف أجواء الصحراء المغربية ليس “عقدة” كما يصوره البعض، بل هو المحطة الأخيرة في مسار طويل لاستكمال السيادة. المغرب، بهدوئه وثقته، يدبر هذا الملف تقنياً مع شريكه الإسباني، مستنداً إلى واقع الميدان وإلى شرعية دولية تزداد رسوخاً يوماً بعد يوم.































