برلين – عرب 24:
في مثل هذا اليوم قبل خمسة عشر عاماً (17 ديسمبر 2010)، أشعلت عربة خضار في سيدي بوزيد فتيل انفجار غيّر وجه الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى الأبد. اليوم، ونحن في نهايات عام 2025، لم تعد القراءة العاطفية لـ “ثورات الكرامة” مجدية؛ نحن أمام مشهد جيوسياسي أعيد تشكيله بالدم والاقتصاد. فما الذي تبقى من “الربيع”؟ وهل نحن أمام خريف دائم أم شتاء نووي؟
بصفتي مراقباً للمشهد، دعونا نضع العواطف جانباً ونقرأ “كشف الحساب” الاستراتيجي بلغة الأرقام والحقائق.
1. الفاتورة الاقتصادية: العقد الضائع
لغة الأرقام لا تكذب، وهي المؤشر الأكثر قسوة على ما حدث. وفقاً لتقارير متقاطعة من “الإسكوا” (ESCWA) والبنك الدولي، قُدرت الخسائر التراكمية في الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة العربية منذ 2011 وحتى 2025 بما يتجاوز 1.5 تريليون دولار.
هذا الرقم لا يعني فقط دماراً في البنية التحتية (كما في سوريا واليمن وليبيا)، بل يعني “فرصاً ضائعة”. معدلات البطالة بين الشباب في المنطقة لا تزال الأعلى عالمياً بمتوسط يتجاوز 28%، وهو الوقود الحي لأي انفجار قادم. الدول التي لم تسقط في الحرب، سقطت في فخ الديون؛ حيث تلتهم خدمة الدين في دول مثل مصر وتونس أكثر من ثلث الموازنة العامة، مما يحول الدولة من “مقدم خدمات” إلى “جابي ضرائب”، وهو ما يؤسس لقطيعة بنيوية بين المواطن والسلطة.
2. التحول الجيوسياسي: سقوط “المراكز” وصعود “الأطراف”
جيو-استراتيجياً، أفرز العقد ونصف الماضيين تحولاً جذرياً في مراكز الثقل.
• أفول الهلال والوادي: خرجت العواصم التقليدية (بغداد، دمشق، بيروت، وحتى القاهرة جزئياً) من معادلة التأثير الإقليمي لتصبح “ساحات” للصراع أو “متلقية” للمساعدات.
• صعود الخليج: انتقل مركز القرار العربي بوضوح إلى الخليج (الرياض، أبو ظبي، الدوحة). لم يعد الخليج مجرد “ممول”، بل أصبح “المهندس” الجيوسياسي للمنطقة، مستفيداً من فوائض النفط خلال أزمات الطاقة العالمية، ومن ضعف القوى التقليدية. السياسة الخارجية السعودية والإماراتية في 2025 باتت أكثر استقلالية (Rethinking Alliances)، تنوع شركاءها بين واشنطن وبكين، وتدير ملفات المنطقة بمنطق “المصلحة الوطنية” وليس “الأخوة العربية”.
3. الدولة الوطنية في مواجهة “المليشيا”
أخطر ما أفرزه الربيع العربي هو تآكل مفهوم “احتكار العنف” من قبل الدولة.
• في سوريا واليمن وليبيا، تحولت “الدولة” إلى مجرد طرف ضمن أطراف متعددة تسيطر على الجغرافيا. نحن أمام خرائط ممزقة؛ سوريا اليوم (2025) هي فعلياً ثلاث مناطق نفوذ (روسي/إيراني، تركي، وأمريكي/كردي) تحت علم واحد شكلي.
• هذا الفراغ استدعته قوى إقليمية (تركيا وإيران) لملئه. النموذج الإيراني في “تجييش المجتمعات” والنموذج التركي في “القواعد العسكرية والاقتصادية” أصبحا واقعاً يفرض نفسه على الخريطة من البحر المتوسط إلى باب المندب.
4. الديمقراطية: من “الحلم” إلى “المقايضة”
سياسياً، انتهت موجة الربيع العربي إلى معادلة صفرية قاسية: “الأمن مقابل الحرية”.
تونس، مهد الربيع، قدمت النموذج الأوضح لهذا الارتداد. التجربة الديمقراطية الهشة تآكلت لصالح عودة “الرجل القوي” (Strongman model)، مدفوعة بخيبة أمل شعبية من أداء الأحزاب السياسية. الشعوب التي هتفت “عيش، حرية، عدالة اجتماعية”، باتت في 2025 تقبل بـ “الاستقرار، الخبز، والأمن” كأولوية قصوى، بعد أن عاينت أهوال الحرب الأهلية في الجوار.
5. الخلاصة: هل مات الربيع؟
كلا، لم يمت، لكنه تحور.
إن الأسباب التي أدت لاندلاع أحداث 2011 لا تزال قائمة، بل وتفاقمت. الفساد، التفاوت الطبقي، وغياب الأفق السياسي لا يزالون حاضرين. لكن “الانفجار القادم” لن يكون أيديولوجياً أو سياسياً كما في 2011، بل سيكون “ثورة جياع” أو “انتفاضة خدمات”.
نحن اليوم في مرحلة “الستاتيكو” (الجمود) الهش. الأنظمة تعلمت الدرس وطورت أدواتها الأمنية والرقابية (السيبرانية خاصة)، والشعوب تعلمت الدرس وتخاف من سيناريو “الدولة الفاشلة”. وبين خوف الشعوب وسطوة الأنظمة، تقف المنطقة العربية على حافة تحولات دولية كبرى، تنتظر شرارة جديدة قد لا تأتي من “عربة خضار” هذه المرة، بل من انهيار عملة أو جفاف مياه.































