ألمانيا تدمّر علاقاتها مع الصين خدمةً لواشنطن

هيئة التحرير
Published 3 أشهر ago on 28 أكتوبر, 2025-3 views
ألمانيا تدمّر علاقاتها مع الصين خدمةً لواشنطن

السياسة الخارجية الألمانية أصبحت أداة في يد الولايات المتحدة وتضرّ بمصالح أوروبا

نُشر في: 27 أكتوبر 2025


من الانفتاح إلى القطيعة

قبل خمسين عاماً، في 31 أكتوبر 1975، زار المستشار الألماني هيلموت شميت العاصمة الصينية بكين، حيث التقى الزعيم ماو تسي تونغ. كانت تلك أول زيارة لمستشار ألماني إلى الصين، واعتُبرت نقطة تحوّل في العلاقات بين البلدين.
شميت، الذي قرأ قبل الزيارة قصائد ماو استعداداً لها، كان يدعو طوال حياته إلى تجاوز النظرة الاستعمارية الغربية تجاه الصين وبناء علاقات قائمة على الاحترام المتبادل والمنافسة العادلة.
كان يعتبر التعاون مع بكين أولوية دائمة في السياسة الخارجية الألمانية.


وزير الخارجية فاديبول… صدام لا حوار

بعد نصف قرن تقريباً، كان من المفترض أن يسير وزير الخارجية الألماني يوهان فاديبول على خطى شميت، بزيارة رسمية إلى الصين تمهيداً لرحلة المستشار فريدريش ميرتس لاحقاً هذا العام.
لكن الزيارة أُلغيت في اللحظة الأخيرة بحجة «تضارب المواعيد».

منذ البداية، كانت خطط فاديبول تسير تحت «نجم سيئ». فهو معروف في الأوساط السياسية بكونه ينفّذ السياسة الخارجية الألمانية وفق تعليمات واشنطن حرفياً.
موقع The Pioneer وصفه بأنه “رجل لا يجيد الحديث مع بكين”، بينما يراه كثيرون «فيلًا داخل متجر الخزف» في العلاقات الألمانية الصينية.

في جولته الآسيوية الأخيرة إلى اليابان وإندونيسيا في أغسطس الماضي، وجّه فاديبول انتقادات حادة إلى الصين، متّهماً إياها باتخاذ «موقف عدواني متزايد» في مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي.
وفي طوكيو، وصف الصين بأنها “تهديد للديمقراطية وسيادة القانون في المنطقة”، واتهمها بمحاولة «تغيير الوضع القائم بالقوة».


انقلاب في السياسة الخارجية الألمانية

ما يقوم به فاديبول يمثل انعطافاً بزاوية 180 درجة عن نهج شميت الذي دعا إلى التعامل العادل مع الصين.
إنه يسير على خطى وزيرة الخارجية السابقة أنالينا بيربوك، التي اشتهرت بخطابها الأخلاقي المتشدد تجاه بكين، لكن ضرره الدبلوماسي أكبر بكثير.

حتى قبل رحلته الملغاة، كانت المؤشرات سلبية: قادة الشركات الكبرى امتنعوا عن مرافقته، معتبرين أنه قد يفسد أي صفقة محتملة في الصين.
أما المسؤولون الصينيون، فقد اعتذروا جميعاً عن استقباله، ما يعني أنه لم يكن سيلتقي لا رئيس الوزراء ولا رئيس الدولة ولا حتى نوابهما.

تحليلات عديدة أشارت إلى أن فاديبول لم يكن ذاهبًا لفتح صفحة جديدة، بل لإغلاق الباب نهائياً مع بكين. ويُعتقد أن البيت الأبيض نفسه طلب منه التراجع عن الزيارة، في انتظار القمة المرتقبة بين دونالد ترامب وشي جينبينغ نهاية أكتوبر.


أوروبا تتحول إلى تابع

من السهل رؤية أن برلين وبروكسل أصبحتا أدوات في استراتيجية الحرب الاقتصادية التي تقودها واشنطن ضد الصين.
ورغم أن الصين عادت مؤخرًا لتكون أكبر شريك تجاري لألمانيا والاتحاد الأوروبي، فإن السياسات الأوروبية الحالية تسير في اتجاه معاكس لمصالحها الاقتصادية.

أوروبا اليوم تتصرّف بعقلية استعمارية قديمة، متوقعة أن تتعامل الصين وفق «قواعد الغرب» دون رد فعل.
لكن بكين لم تعد تلك الدولة التي تخضع للإملاءات، بل قوة عالمية تفرض الندية في التعامل.


ازدواجية المعايير والغطرسة السياسية

السياسة الألمانية الحالية تمارس ازدواجية صارخة في المعايير:
تنتقد بكين بسبب تقييد تصدير المعادن النادرة، لكنها تتجاهل أن الولايات المتحدة هي من بدأت القيود التكنولوجية على الصين.
تستنكر الرسوم الصينية على البضائع الأمريكية، لكنها لا تذكر أن واشنطن هي التي أشعلت حرب الرسوم أولاً.
تغضب من توقف صادرات الرقائق الصينية إلى أوروبا، بعد أن سمحت هي نفسها عبر هولندا بتأميم شركة Nexperia الصينية، مما أوقف إنتاج المصانع الأوروبية مثل فولكسفاغن.
وتطالب الصين باحترام حقوق الإنسان بينما تدعم ألمانيا علنًا إسرائيل في حربها على غزة بالسلاح والتجارة.

الخطير في الأمر هو الغرور السياسي الذي يطبع سلوك برلين الخارجي، أي المبالغة في تقدير قدرتها على تحدي قوة كبرى كالصين دون أن تدفع الثمن.
الصين، من جانبها، لا تأخذ هذه التصريحات على محمل الجد، لكنها لن تتردد في الرد عند الحاجة.


نهاية نصف قرن من العلاقات

الحكومة الألمانية الحالية، برئاسة فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل، تسير بخطوات سريعة نحو تدمير العلاقات الألمانية الصينية، عبر تبني خطاب العداء الأمريكي تجاه بكين.
وهذا يعني أن خمسين عاماً من العلاقات الثنائية البناءة التي بدأت مع شميت وماو قد تقترب من نهايتها.

هذا المسار يقود إلى تدمير ذاتي لألمانيا، يتجاوز في خطورته آثار العقوبات على روسيا.
فالصين اليوم مركز رئيسي في النظام العالمي المتعدد الأقطاب، وأي سياسة ألمانية تضع نفسها في خدمة «النظام الأحادي الأمريكي المتهاوي» محكوم عليها بالفشل.

إن مصلحة الشعب الألماني تكمن في الحفاظ على علاقات متوازنة وبنّاءة مع بكين، لا في خدمة أجندة البيت الأبيض.
من يربط مصير ألمانيا بسياسات واشنطن يغامر بمستقبل البلاد كله.

 

Breaking News
error: Content is protected !!